أهمية المدخل الثقافي و التاريخي في أفق بناء المغرب العربي

0

الاستاذ: سعيد توبير من مدينة مكناس

يتأطر هذا المقال المتواضع في اطار النقاش الدائر حول اطروحة “فتح الحوار مع الجزائر” في خطاب العاهل المغربي بمناسبة الذكرى الـ43 لـ”المسيرة الخضراء”. و الذي قال فيه بكل شجاعة ووضوح “إن الرباط مستعدة للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، لتجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية”. ما هي الابعاد الاستراتيجية لدعوة العاهل المغربي للحوار الصريح و البناء بين المغرب و الجزائر؟ و ما هي المداخل الثقافية و التربوية القمينة بتذويب الجليد؟ ما هي شروط بناء رؤية موحدة للمستقبل و الاشتراك فيما تسميه حنا ارندت وهي فيلسوفة المانية “العيش المشترك”؟

فعلى مستوى الابعاد الاستراتيجية، تعبر الارادة الملكية عن الرغبة في فتح جسور الحوار و التفاوض عن “حس تاريخي” مرهف بالأوضاع السياسية العامة، لعالم غامض و اكثر فوضوية، سيما التحولات التي الت اليها اوضاع الوطن العربي لما بات يصطلح عليه ب “ما بعد بالربيع العربي” و الذي تحول الى شتاء مظلم، في ظل دخول المنطقة نفق الصراعات الدموية واصبح بذلك نموذجا مثالا للعلاقة الملتبسة ما بين العولمة و التطرف.  والواقع هو انه رغم جدية خطر الارهاب العالمي الذي هو الماساة الفاتحة للألفية الجديدة، تؤكد “حنا ارندت” اننا في امس الحاجة الى ” الفلسفة” لادراك الضعف الكبير للقوانين البشرية والمؤسسات البشرية التي تراها ازدادت باضطراد مع انطلاق الحداثة التي اعتبرتها نموذجا فكريا وتاريخيا.

كما ان فتح جسور التواصل تعتبر  “فرصة تاريخية” للتفكير في” المستقبل المغاربي”، أي في القضايا التي نشترك فيها مع  الانسانية جمعاء من حيث مآل الوجود ووحدة المصير، انطلاقا من اسئلة انسانية مشتركة داخل التسويات الرشيقة للمشاكل التجارية والاقتصادية، والعمل على تنقل فعلي للأموال. كما يمكن  ان نضيف على ان هذه” الارادة الملكية” الانسانية تمتح جذورها الاخلاقية و الادبية من المشترك الديني و الجغرافي .  و في هذا السياق قال العاهل المغربي “اعتبارا لما يكنه المغرب، للجزائر، قيادة وشعبا، من مشاعر المودة والتقدير، فإننا في المغرب لن ندخر أي جهد، من أجل إرساء علاقاتنا الثنائية على أسس متينة، من الثقة والتضامن وحسن الجوار، عملا بقول جدنا صلى الله عليه وسلم : “ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه”.

 

وعلى مستوى المداخل التاريخية و الثقافية يتعين  التذكير بأهمية دور المثقفين و المفكرين في بناء الصروح الاجتماعية و الاقتصادية  الكبرى “السوق الاوربية ” انموذجا. بحيث تؤكد الملاحظة الاستقرائية للوقائع و الافعال قدرة الثقافة و تخفيض نسب الامية و توحيد السياسات الثقافية و المرجعيات الفلسفية على امكانيات تجاوز ما تسميه “حنا ارندت” _ الازمنة الحالكة” أي تجربة الحروب و ديكتاتورية “الانظمة الفاشية” و تداعيات الحرب الباردة التي توجت بالحدث التاريخي الكبير في بديات تسعينيات القرن الماضي” انهيار حائط برلين”. فتعالوا يا اخوتنا في” الجزائر” الى كلمة سواء بيننا و بينكم، لنبني صرح مستقبل مغاربي حقيقي في استثمار عقلاني للثروات الطبيعية و تأهيل الموارد البشرية، في مواجهة ذكية لسموم الالة الجهنمية الدولية في تفجير الاوضاع الداخلية للدول التي تسيل لعاب “تجار الحرب” و ما “درس ليبيا” ببعيد عنا.

 في نفس السياق يذكر المؤرخ و المثقف المغربي  الدكتور عبد الله العروي في كتاب “العرب و الفكر التاريخي”1 : (عرفت المجتمعات العربية و منها المغاربية منذ عهد النهضة صراعا ضد هيمنة الامبريالية في الداخل و صراعا بين الفئات الموالية للاجنبي و الفئات المناوئة له في الداخل، وترك هذا الصراع الطويل تقاليد سياسية و فكرية راسخة)  وهو ما نستنج منه مشكل ترسيم الحدود وخلط الخرائط الجغرافية بين البلدين الذي قاسيا من ” تجربة الاستعمار” و الذي علينا التخلص من تداعياته النفسية و السياسية. وعليه يقول في اطار تصوره للحل السياسي فيما يخص الجزائر و الصحراء المغربية : “يتعلق الأمر الآن بالدولة المغربية والمجموعات السكانية المحلية، وهذا الآن مكسب. لنفترض أن الجزائر تبنت جهوية تقترح نفس المنطق التاريخي الذي اختاره المغرب، فإننا سنتمكن حينها من رؤية ظهور تدريجي لمنطقة صحراوية عابرة للحدود، ولِمَ لا مغربا كبيرا مكونا من جهات تقتسم نفس المصالح التنموية. بفضل الجهة، يمكن للدولة القومية (l’état –nation) أن تتفوق وتعيش في انسجام مع تنظيم أكثر أو أقل فيدرالية.

ان التربية بغير نزاع _كانت و ماتزال، و في جميع العصور محور التقدم و حجز الزاوية في كل اصلاح و اي تبديل او تعديل في اي مجال من مجالات الحياة غير مستند الى التربية انما هو ترسيخ لا يخدم غاية، و لا يوصل الى نتيجة. كما  انها  وسيلةٌ أساسيّةٌ من وسائل البقاء والاستمرار، كما أنها ضرورةٌ اجتماعيّةٌ تهدف لتلبية احتياجات المجتمع والاهتمام بها، كما أنها أيضاً ضرورةٌ فرديّةٌ من ضرورات الإنسان، فهي تكوّن شخصيّته وتصقل قدراته وثقافته ليكون على تفاعل وتناسق مع المجتمع المحيط به ليسهم فيه بفعاليّة.

و في هذا السياق يتساءل “عبد العروي”هل يمكن أن تكون لنا نفس الرؤية عن أنفسنا وعن الآخرين في نفس البلد حينما ينخفض “معدل الأمية” من 70 في المائة إلى 30 في المائة؟ البلد كان يبدو أكثر استقراراً وتجانساً في الحالة الأولى. كما كانت فكرة الوحدة مع شعوب أخرى أكثر انتشاراً. هذا هو السبب، حسب رأيي المتواضع، في ضعف المثال النموذجي العربي. الأمر نفسه عند الفلامانيين. إذ حينما كانوا أقل تعلماً كانوا يقولون عن أنفسهم بكل عفوية إنهم بلجيكيون.

خلاصة القول إن المغرب متشبث بفلسفة التعايش السلمي وحل المشاكل بقواعد ومبادئ العلاقات الدولية التي انهت مع الحرب المأساوية بين المانيا و فرنسا منذ نهاية القرن الثامن عشر، و الصراع المحموم بين الكوريتين، بناء على تصورات ثقافية و تاريخية واعدة في المستقبل،  تجد ملجأها الاخير و العملي “مغاربيا” في دعوة العاهل المغربي  الجزائر من أجل طيّ صفحة الخلافات الثنائية، من خلال إرساء آلية سياسية تهدف لمناقشة الملفات العالقة التي تثير التوتر بين البلدين الجارين، مؤكداً انفتاح المغرب على الاقتراحات والمبادرات التي قد تتقدم بها الجزائر، بهدف تجاوز حالة الجمود في العلاقات.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.