أية رؤية تعليمية بالمغرب ل “ما بعد كوفيد 19” ؟

0

الصحراء سكوب: ذ: سعيد توبير

يعيش العالم اليوم، بفعل التهديد المباشر لفيروس كورونا، تحديا كونيا حقيقيا يهم الأمن الحيوي في نواته الأساسية أي “الحياة الإنسانية”. و هو الواقع الذي يجعل لمعنى الحماية من الموت و الخوف و الجوع مطلبا أقصى. فإذا كانت الحياة هي ما يعرضنا للموت، وإذا كــــــــان الإنسان يتحدد كحيوان سائر إلى الزوال، فإن الحياة تتطلب الحماية ضد كل ما يهددهــــــا، ويعرضها لخطر الانهيار.

وعليه فإن حالة الطوارئ الصحية في البلاد، استدعت خوض تجربة “التعليم عن بعد”، التي نهجتها الوزارة الوصية على القطاع، إضافة إلى المؤسسات التعليمية الخصوصية، دون الخوض فيما يعتريها من مشكلات، من حيث التكوين و التأهيل و الإمكانيات المادية و طبيعة المواد الرقمية و سياسات التواصل. إذن ما هي طبيعة التحديات الكبرى التي أفرزتها جائحة كوفيد 19على قطاع التربية و التعليم خصوصا؟ ما هي طبيعة التربية العامة التي يجب أن تستولي على عقول الأجيال المقبلة أمام الخوف و تهديد الحياة؟ ألا يمكن للجائحة أن تكون فرصة تاريخية للمغاربة للخروج من التبعية و اللحاق بالدول المتقدمة؟

لا أحد اليوم، سواء من مؤسسات بحثية أو نخب سياسية أو مدبري الشأن التعليمي وحتى التقارير الدولية و الوطنية يمكن أن ينكر طبيعة الاعطاب البنيوية و المعقدة التي يعيشها القطاع منذ عقود بالرغم من المجهودات المبذولة. بحيث سبق لجلالة الملك محمد السادس في  خطاب 20غشت2013 أن قال ( غير أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة).

وبالتالي يمكن أن نختزل مظاهر الفشل و التعثر في تدبير قطاع التربية و التعليم، _الذي يجعلنا نشعر بالحرقة عليه _من حيث الحاجة الماسة إلى مهندسين، أطباء، خبراء، مثقفين و مؤسسات الفاعلية في البحت العلمي و الدراسات في العلوم الانسانية_ في مواجهة تحديات المستقبل اللامتوقع. 

في الملاحظات التالية:

_  عدم التمكن المبكر لأغلب التلاميذ من التعلمات الأساسية ” القراءة، الكتابة و الحساب” و الذي يؤدي فيما بعد إلى صعوبات بيداغوجية في المسايرة لايقاعات التعلم، أي عدم الفهم وما ينتج عن ذلك من  سلوكات جانحة كالعنف الفردي و الجماعي و الغش، الذي يؤدي حتما  إما الى  التكرار أو الطرد. و بالتالي أصبحت الحياة المدرسية انعاكسا واضحا للأزمة الاجتماعية و الاقتصادية و النفسية بسبب التحولات العولمية التقنية و التواصلية.

_ ارتفاع حالات تغيبات التلاميذ، دون قدرة المؤسسات التعليمية على إدراك الصعوبات النفسية و التعلمية و السوسيواقتصادية التي تحول دون المسايرة الطبيعية للتلاميذ للدراسة. الشيء الذي يترتب عليه الهدر المدرسي، الذي يقذف بالآلاف من التلاميذ خارج المدرسة كل سنة. وهو ما يساهم مستقبلا في تعقيد بناء “مجتمع ديمقراطي تنموي” مبني على ترشيد عقلاني للموارد البشرية في أفق استكمال الدولة الحديثة.

_ تحولات تقنية و نفسية و  اجتماعية تغذي “غياب الرغبة” في التعلم لدى فئات عريضة من رواد المدرسة.  و الذي يمكن رده الى الغزو الالكتروني “شيطان العصر”، المفضي إلى التنافس الشرس بين وسائل الاتصال لإغراء المجموعات العمرية( التلفاز، الهواتف الذكية، اللوحات الالكترونية، اللعب، الموسيقى و المواقع الاباحية التي تروج للانحراف الغريزي.

_ ضعف الثقافة العامة، التي بواسطتها يمكن تحويل المعلومات التي توفرها الذاكرة الخارجية “الانترنت”، الى معرفة مفيدة، تشجع بالضرورة على تطور التفكير النقدي اتجاه السيولة المروعة للرسائل الرقمية التي يتلقاها الشباب، دون القدرة على التمييز الواضح بين التكوين أو التعلم أو التثقيف و ممارسة التسلية و البحث عن المتعة.

البدائل الممكنة:

_الحاجة الى نظرة استراتيجية لهذا الورش الهام الذي يشكل أساس كل تنمية. وذلك  بالرهان على الرأسمال البشري و الاجتماعي لتحقيق احسن النتائج على مستوى النمو الاقتصادي و الوعي الثقافي و العلمي. مع اعطاء اصلاح قطاع التربية و التعليم بعدا اجتماعيا ووطنيا، بل استراتيجيا لما لإصلاح المدرسة العمومية من رهانات على مستقبل المغرب الحضاري بكل أبعاده. بحيث كشفت كل من  التجربة و الملاحظة عن خلل عميق في مقاربة إصلاح التعليم، الذي أصبح يمتص ميزانيات ضخمة من ميزانية الدولة دون أن يحقق الحد الأدنى من أهدافه.

_ الحاجة الى مدرسة جديدة تكون في مستوى تحديات كوفيد 19 بما يحمله مت تحديات علمية، اقتصادية، سياسية، ثقافية و اجتماعية. مما يستوجب على المغرب بآلياته الادارية و المؤسساتية صياغة اصلاح يضمن الحد الأدنى من الشروط الكافية و الشافية لتحقيق التنمية الشاملة. وعليه لابد أن تحتضن الدولة قطاع التربية و التعليم بشكل نظامي، للقطع مع الحسابات السياسوية و الصراع بين الاحزاب في تدبير الشأن التربوي، و الذي حال دون الاستمرار في تحقيق التراكم المطلوب، بدليل تداخل النقابي و السياسي في الادارة المغربية، و الذي أدى التى تراجع قيم الجدية و العمل في غياب التطبيق النشيط لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.

نخلص إذن الى اقتراح افكار يمكن أن تكون موضوع تفكير جماعي، بناء على رؤية  تنطلق من الأسئلة الحقيقية التي يفرزها الواقع على جميع المستويات. أي وضع مشروع اجتماعي تعاقدي جديد للاصلاح الجذري، ووضعه على السكة الصحيحة التي تساير العصر، تستجيب فيه لحاجات المتعلمين و المجتمع و الدولة. معناه أن القيميين على الشأن التعليمي و التكويني، يجب أن تصدر عنهم رؤية تحدد الأولويات بين المؤسسات الرسمية و المدرسية و أيضا الكفاءات من ذوي الخبرة، الذين تتوفر لديهم خبرات معتبرة، تسمح بوضع مخططات وخرائط الطريق لاستيعاب و تمثل المعارف التي تنتجها التكنلوجيات الجديدة في الاعلام و التواصل، من خلال منهج واضح المعالم يتحقق معه أكبر قدر ممكن من الاقتصاد في الوقت و الجهد. منهج جديد يروم اصطياد روح العصر المتمثل في ما يسمى “اقتصاد المعرفة”. وخير مثال على ذلك أن كوريا الجنوبية بتطبيقها للمنهج الجديد في اقتصاد المعرفة استطاعت ان تتجاوز روسيا بجلال امكانياتها الطبيعية و الجغرافية فيما يخص المدخول القومي في ظرف وجيز.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!