أي فلسفة اجتماعية للاصلاح التربوي المنشود ؟

0

الصحراء سكوب:ذ.سعيد . مكناس

يقول كانط ثمة اكتشافان اساسيان يحق للمرء ان يعدهما من اصعب الامور : فن حكم الناس و فن تربيتهم.

وعلى هذا الاساس ، لا أحد اليوم  يشك في ان مسألة الاصلاح التربوي واحدة من القضايا الساخنة في مجال الحياة السياسية و الاجتماعية للعالم المعاصر لتجاوز التحديات التي تحيط بنا من عصف للحضارة التقنوية و احتواء الانفجار المعرفي بما ينطوي عليه من خصائص التسارع و التقادم.

وهذه التغيرات التي جعلت الأنظمة التربوية أمام المد الحضاري المروع، مهددا معاييرها والأسس التقليدية التي قامت عليها المؤسسات التربوية التقليدية تفرض على الساهرين على القطاع أن يستوعبوا و يتفهموا و يطبقوا صراحة و بطريقة علمية أسس “الحداثة” كمتاح إنساني كوني، اي ادماج التعليم المغربي في الحداثة بالبحث عن ثقافة عصرية مواكبة للعصر. 

فما موقعنا اليوم من هذه التحولات التي نجد فيها الانساق التربوية في مجتمعات خرجت للتو من الاستعمار في مواجهة تموجات قصف تكنولوجي رأسمالي أضرمته عولمة فائقة التوحش؟ لتحدث تغيرات عميقة و شاملة و هائلة في بنية النظام التربوي كما هو الحال في مختلف القطاعات الاجتماعية الاخرى.

وهذا ما جعل المدرسة تفقد وظيفتها الانسانية و دورها الحضاري في خضم تحولاتها التدريجية الى سوق استهلاكية بدأت تفقد جوهرها و قيمها و دورها الحضاري كمدرسة منتجة للقيم و الضمائر و النفوس و العقول .من منا ينفي ارتباط مدرستنا بالتحولات الخارجية و أنواع التبعية و الهيمنة بحكم غياب المناعة الثقافية و القرار السياسي أولا و قبل شيء؟، سيما عندما تصبح المديونية هي “الخلاص” من عدم القدرة على التصريح بفشل السياسات العمومية و ربط التعليم و التكوين بالانتاج و الاقتصاد العصري و الأنساق التنافسية “كوريا الجنوبية” نموذجا.

وسنحاول بناء على هذه المتغيرات الكونية أن نقارب إمكانية ايجاد اصلاح تربوي وطني يمكن أن يحصل بشأنه ” الاجماع العام ” . فما نعيشه اليوم صراحة من احتقان ما بين الحكومة المغربية و الهيئة التعليمية لا يبشر بالخير، سيما وأن الافق الفكري ضعيف جدا أمام الصخب السياسي المفلس أصلا على صعيد غياب “الديمقراطية الداخلية” و الثقافة العامة و التربية على المواطنة في الفضاء العمومي. ذلك أنه لا وجود لتناغم ما بين نموذج “المجتمع المنشود” و نوع “السياسة الممارسة”، ناهيك عن غياب “مشروع اجتماعي” واضح المعالم.

و إذا ما عدنا الى الادبيات التربوية المؤسسة للمدرسة الاستعمارية في المغرب نجد ” جورج أردي وهومؤلف كتاب ” التعليم الفرنسي في المغرب ” يقول ( لكي ننجح في تحويل بدائيي مستعمراتنا و جعلهم متفانين في خدمة قضيتنا، صالحين لمشروعنا(….) فان الوسيلة الوحيدة المضمونة هي أن نأخذ طفلهم، ونفتح له مدارس يهذب فيها عقله طبقا لمقاصدنا). فما هو رد دهاقنة السياسة الموسمية في الرد على هذه السياسة التربوية اليوم؟

إننا نعتبر “كمجتمع مدني حيوي” أنه من الضروري التفكير بهدوء و التنازل عن الانانية المفرطة من طرف كل الفاعلين حتى لا نكرر أخطاء “حراك الريف” و “حراك جرادة”. على أساس أن تحقيق هدف ” التهدئة” له علاقة بصورتنا العامة في الرأي الدولي، لاسيما و أن “القضية الترابية” يجب ان تكون فوق كل الاعتبارات، أكانت سياسية ضيقة أو انتخابوية سابقة لأوانها أو لمزايدات ايديلوجية غاشمة.

وفي هذا السياق ننتظر أن تنبثق “نخب ثقافية ” موضوعية وعلى مستوى عال من الوعي النقدي و الضبط المعرفي من خلال هذا “الحراك التربوي” للمراجعة الفكرية للخيوط الناظمة للمجتمع و السياسة العامة، و كذلك التدقيق الاستراتيجي في الامكانيات و الثروات و المعالجة الذكية للقضايا العالقة ” الحوار الاجتماعي”. بحيث ان واقع تجارب المجتمعات التاريخية يثبت بالملموس، أنه ما كان بالامكان النهوض “بالتربية” دون تجشم المؤسسات و النخب المتخصصة و المثقفين و المفكرين القيام بهذه المهمة الشاقة: تغيير المذاهب، المناهج، المقررات و الفلسفات و المؤسسات التعليمية.

كما تستدعي الضرورة  تراجع بعض الاصوات “الشعبوية” عن مواقفها الايديلوجية في ما يخص السياسة التعليمية ولغات التدريس و الاطار الاساسي لنظام التربية و التعليم لأنه يهم المصير و المآل للأمة  المغربية ، في عالم يسكنه الغموض و الفوضى، على أساس أن “الأزمة التربوية ” ليست وصمة عار تاريخية و إنما “مقدمة” أو أرضية واقعية للفهم التاريخي العميق و البحت العلمي الرصين وربطها بمشروع الديمقراطية في إطارأفق  بناء “الدولة الحديثة” ذات السيادة الاقتصادية و المالية و الانساق التنافسية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هل يمكن بناء مجتمع حديث بدون تربية حديثة ؟ لم نشك في وطنية الأحزاب التي قاومت الاستعمار مستهدفة التحرر و الاستقلال،  لكن هل كانت لها برامج مستقبلية حقيقية وواضحة المرجعية ؟أي هل كانت مرجعيتها التقليد و التراث الماضوي بحثا عن “الهوية المغصوبة” ؟أم الحداثة و العصرنة و السقوط في براثن التقليد الميكانيكي للتقنية دون تهييئ نفسي أو بيداغوجي للمجتمع؟

فالتحديات التي تواجهنا  نحن المغاربة  بجهاتنا و طبقاتنا  و تعددنا اللغوي وحساسيتنا السياسية و مرجعياتنا  الثقافية  تدعونا الى   التفكير الجدي بعدة وطنية حقة في “المشروع التنموي الجديد” كآخر فرصة لطي صفحات الماضي المؤلم و التعثرات الاصلاحية السابقة و الاعطاب التدبيرية وبناء تصور مجتمعي متكامل متضامن بتطبيق المبدأ الرشيق” ربط المسؤولية بالمحاسبة” و تهييء الذهنية العامة للمجتمع من طرف  النخب الجديدة ”   لتفادي كل ما يؤدي الى الضعف، والتفتت و الحرب المدمرة، . وما جروح دول الوطن العربي ببعيدة عنا وهي منا و إلينا. 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.