الأقاليم الجنوبية و إشكاليات التنمية، رؤى وآفاق

0

الصحراء سكوب: بقلم ذ.محمد سالم البيهي
رئيس منظمة الحق والديمقراطية، باحث في التشريعات الدولية 

مدخـــــل:

لا تزال مسألة التنمية على مختلف مستوياتها الوطنية والإقليمية والمحلية تشغل بال المختصين والمسؤولين والمهتمين بتقييم السياسات العمومية من نشطاء المجتمع المدني، سأحاول في مداخلتي هذه تقديم عرض مختصر عن الإشكالية في جانبها المفاهيمي والتأطير العام لقضية التنمية بالاقاليم الجنوبية.
اولاً الجانب المفاهيمي لدينا أربع اصطلاحات متداخلة بموضوعنا هذا، يجب أن نعرفها منفصلة وداخل نسق مركب.1- الاقاليم الجنوبية: مفردها إقليم وهو وحدة مجالية تتكون من عدة جماعات ترابية، تمثل المستوى الاساس في التقسيم الترابي للمملكة، ويعني المصطلح السابق، عرفا الاقاليم الواقعة ضمن جهات العيون الساقية الحمراء، الداخلة اوسرد، ثم كلميم واد نون، وهذا ليس تعريفا دقيقا، بمعنى أنه لايوجد نص قانوني يحدد معنى الاقاليم الجنوبية بدقة، فيمكن ان تكون هي نفس الاقاليم التي ذكرنا سابقا ويمكن ان تمتد ابعد من ذلك باضافة الاقاليم المجاورة من جهة سوس ويمكن ان تنحصر في جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة اوسرد.
2- إشكاليات: وتعني باللغة الانجليزية (Problematic Issues) ويعني المصطلح سؤال علمي يحتاج لمعالجة، وهي نص مختصر تتم صياغته على شكل سؤال يحتوي مشكل بحثي، كما يمكن تعريفها بانها صياغة على شكل سؤال لمجموعة علاقات قائمة بين أحداث وفاعلين ومكونات مشكلة محددة، وقد عرفها موريس انغرس بانها عبارة عن عرض الهدف من البحث على هيئة سؤال يتضمن امكانية التقصي والبحث لغرض الوصول لاجابة محددة، كما عرفها اخرون بانها السؤال الذي لا يوجد له جواب كامل أو شاف في وقته، بحيث يكون هدف الباحث او المشارك في النقاش الوصول الى حل محدد للمشكلة القائمة. وهي اجابة السؤال. ومهم ان يكون موضوع الاشكالية واضح في ذهن الباحث غير غامض او عام، ومن ذلك شرح المصطلحات وان تصاغ بشكل تدريجي من العام الى الخاص، والتخلي عن الافكار التي ليست لها علاقة قوية ومباشرة بالموضوع، ابراز العلاقات القائمة بين المتغيرات، والموضوعية في الطرح.
3- التنمية: وتعني باللغة الانجليزية (Development) ولها مرادفات اخرى من قبيل (Evolution, Growth) إن مفهوم التنمية ليس من المفاهيم الجديدة، إنه مفهوم قديم ظهر منذ قرن من الزمن. حيث استعمل في مجالات عدة، و تعرض له العديد من الباحثين من مختلف مشارب العلوم. إلا أن ميلاده الحقيقي لم ينبثق إلا بعد الحرب العالمية الثانية. و منذ تلك الفترة أخد العديد من الباحثين يكتبون عن التنمية و أهدافها كل حسب توجهاته العلمية و إدراكه للمفهوم ، مما ترك انطباعا يوحي بتشابك الأفكار و تعدد التعاريف المتعلقة بالمفهوم. دون أن يؤدي ذلك إلى تفسير واضح له. مما ساهم في تأزم وضعية البحث و التفكير في المقاصد الحقيقية للمفهوم، أو بالأحرى التحديد الشامل للمفهوم. مما حتم ضرورة طرح بعض الأسئلة الجوهرية. ماهي التنمية؟ ما الأبعاد التي ترمي إلى تحقيقها؟ ماهي متطلبات تحقيقها؟… إلى غير ذلك من الأسئلة.برز مصطلح التنمية بشكل واضح بعد خطاب الرئيس الامريكي ترمان (Harry S. Truman) الذي القاه على مسامع العالم، حين قام محررو الخطاب بإدخال محور جديد و هام سيكون له وقع على تطور الأحداث العالمية. وهو فكرة تنمية العالم، و تتمحور الفكرة حول تدويل أو تعميم المساعدات التقنية المقدمة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية على جميع دول العالم. و كما كان منتظرا فقد احتلت الفكرة مقدمة المجلات و الصحف الأمريكية . و قد دشنت هذه الفكرة ميلاد مفهوم التنمية بمعناه الغربي، وكان مبدعيه من الدول الغربية يركزون على توزيع المساعدات المادية والتقنية، حتى أصبح مرادفا للنمو الاقتصادي . و مع مرور الوقت أدخلت تغييرات إسمية على المفهوم، حيث أصبحت التنمية تنعت بأسماء: كالتنمية الاقتصادية، و التنمية الثقافية. و خلال الستينات جأت وصفة جديدة للتنمية كإحلال الواردات و تنمية الصادرات، ثم اخيرا تم استبدال المفاهيم القديمة للتنمية بمفهوم حديث تمثل في التنمية المستديمة او المستدامة، الشيء الذي زاد من التباس المفهوم.يمكن القول أن مصطلح التنمية له دلالة شمولية. تشمل التنمية في آن واحد الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و الثقافي. اذا التنمية مسلسل شمولي ومركب ومعقد يستهدف يشمل جميع الجوانب التي لها علاقة وطيدة بحياة الأفراد، والقادرة على إحداث تغيرات إيجابية.التنمية هي الجهود المنظمة التي تبذل وفق تخطيط مرسوم للتنسيق بين الإمكانيات البشرية و المادية المتاحة في وسط اجتماعي معين، بقصد تحقيق أعلى مستويات من الدخل القومي والفردي و مستويات أعلى للمعيشة والرفاه الاجتماعي . التنمية: عملية سياسية وفكرية، عملية تغيير الإنسان من أجل الإنسان، لذا فهي في حاجة إلى قيادات فكرية، و نخب اجتماعية لها رؤية واضحة في أمور الإنحطاط و الرقي. يتضح من خلال التعاريف السالفة الذكر أن التنمية ليست بعملية تخطيط اقتصادي أو إحداث نمو في قطاع ما. بل هي مسلسل شامل وعمل متناسق و متشابك من التغيرات الهيكلية والوظيفية في المجتمع تحدث نتيجة للتدخل في توجيه حجم ونوعية الموارد المتاحة للمجتمع، وذلك لرفع مستوى رفاهية الغالبية من أفراده.
4- التنمية المستدامة أو المستديمة : باللغة الانجليزية (Sustainable Development) لقد انبثق مفهوم التنمية المستديمة عن الندوة التي نظمتها الأمم المتحدة حول البيئة البشرية بستوكهولم سنة 1972. هذه المقاربة الجديدة للتنمية اتخذت كمبدأ أساسي في تحديد كل السياسات على المستوى الدولي و الوطني. و قد جاءت هذه المقاربة لإحلال نوع من التوازن بين النمو الاقتصادي و النظام الطبيعي البيئي. ويعني مصطلح التنمية المستدامة، عملية نمو تستجيب لحاجيات الأجيال الراهنة دون تعريض للخطر قدرة الأجيال اللاحقة للإستجابة لحاجياتها أيضا. وتراعي ثلاثة أبعادالبعد البيئي: تطرح التنمية المستديمة مسألة الحاجات التي يتكفل النظام الاقتصادي بتلبيتها، لكن الطبيعة تضع حدودا يجب احترامها في مجال التصنيع. البعد الاقتصادي : يعني الإنعكاسات الراهنة و المقبلة للاقتصاد على البيئة. البعد الاجتماعي: إنه البعد الإنساني، يجعل النمو وسيلة للإلتحام الاجتماعيلقد انبثق مفهوم التنمية المستديمة أو المستدامة عن الندوة التي نظمتها الأمم المتحدة حول البيئة البشرية بستوكهولم سنة 1972. هذه المقاربة الجديدة للتنمية اتخذت كمبدأ أساسي في تحديد كل السياسات على المستوى الدولي و الوطني. و قد جاءت هذه المقاربة لإحلال نوع من التوازن بين النمو الاقتصادي و النظام الطبيعي.باختصار التنمية الجهوية او الاقليمية هي عملية أو تحرك ذاتي  (Endogenous) لجماعة ترابية (Territorial collectivity) تنطلق من الداخل، لها أربعة مقومات تتمثل في النمو والتقدم والاعتماد على الذات والاستدامة.فالعنصر الأساسي الأول هو مادي وكمي يتمثل في النمو (Growth) من خلال تطور الثروات وتراكمه ونمو الإنتاج المادي واللامادي وللاقتصاد ككل يفضي حتما إلى تغيير نوعي وهيكلي على المستوى المادي والذهني يتمثل في التحديث والحداثة وما نسميه التقدم (Progress) من خلال التحسن النوعي لظروف الحياة وإطار العيش بكل جوانبه الأساسية من غذاء وسكن ولباس وصحة وتعليم وعمل وثقافة وترفيه وبدأت تتوسع تدريجيا لتضم حقولا أصبحت أساسية في يومنا كحقوق الانسان والديمقراطية والمشاركة في الحياة العامة والمواطنة. هذا التطور النوعي يرتبط ويتلازم مع الاعتماد على الذات والاستقلالية  (Empowerment)، النسبية، للجماعات الترابية الذي يضمن بدورها الاستدامة (Sustainability). 
ثانيا الاطار العام لاشكاليات التنمية في الأقاليم الجنوبية1- تحديد نموذج التنمية المنشودة وفق حاجيات وثقافة المجتمع المحلي لكل مجتمع بشري اتجاه يختاره و ثقافة يتأثر بها، تشكل دائرة تستقطب طاقاته و جهوده و كثيرا ما يظهر هذا الاتجاه في صورة مشروع قوي حضاري، فلا يجب أن تكون تنمية اقتصادية على حساب التنمية الاجتماعية و غيرها، ولا سياسية على حساب الاقتصادية، ولا بنائية على حساب التنمية الثقافية، لابد من النظر إلى حالة الإنسان والمجتمع المحلي بشكل متكامل غير قابل للتجزئة فالتنمية الحقيقية لابد من أن تتحرك بصورة متوازنة على جميع المستويات.2- إعادة توازن علاقات الجهات الادارية والاقاليم بين الدولة والمجتمع المدني3- الاستقلالية في تحديد الحاجات4- المقدرة والكفاءة  في توظيف الموارد و الإمكانات (استقلالية الإنتاج)وهنا نجد انه من الخطأ فهم التنمية المستقلة على أنها الاعتماد على الموارد المتاحة محليا قياسا على تجارب سابقة كتجربة الاتحاد السوفيتي أو اليابان في بداية عملية  التنمية فيهما , وذلك إن هناك العديد من الدول بما فيها اليابان ذاتها لا تمتلك من الموارد المحلية ما يمكنها من تحقيق تنمية حقيقية ,وهناك من الدول لا تملك من الموارد إلا موردا واحدا أو اثنين , ومن ثم لا تستطيع إشباع حتى حاجاتها الأساسية ومن هنا فان التنمية المستقلة ليست مرادفا للانغلاق و التقوقع على الذات بل على العكس هي حالة من الفعالية و التفاعل من موقع الفعل لا الانفعال , والمقصود هنا إن الاستقلالية في توظيف الموارد و الإمكانيات هي بداية تحقيق التنمية الحقة.
خصائص لها علاقة وطيدة بالتنمية الناتج المحلي الإجمالي نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي معدل البطالة الدين الخارجي للجهة خط الفقر العمر المتوقع عند الولادة معدل وفيات الأطفال الرضع درجة اكتساب المعرفة معدلات الأمية: هناك ارتباط وثيق مابين درجة التطور الاقتصادي ومدى نجاح المحاولات في القضاء على هذه الظاهرة صافي القيد في التعليم الابتدائي مستوى الانفاق على البحث العلمي الاستفادة من تقانة المعلومات والاتصالات: ما يؤخذ على الاقاليم الجنوبية إنها اقاليم مستهلكة للتقانة وليست صانعة لها وهذا الأمر يلعب دورا بالغا في السلبية في مدى تطور عناصر التنمية المنتجة ويكرس بشكل كبير النمط الاستهلاكي للتقنية
بعض معوقات التنمية في الاقاليم الجنوبية1- سيطرة الفكر التقليدي للتنميةمزال يتمتع بالتأييد في صفوف المنتخبين وحتى عناصر المجتمع المدني على حد سواء، فالمنظور التقليدي للتنمية منظور ذو اتجاه واحد إذا يفترض أن هناك نموذجا وحيدا تتبعه كل الجهات والاقاليم وعلى اقاليمنا اللحاق بالآخرين و بالتالي فان أسرع طريق لتحقيق التنمية هو تقليد الاقاليم والجهات وحتى الدول الاخرى وان وسيلة تحقيق هذا الهدف هو نقل رأس المال و التكنولوجيا . أن الأساس في هذا الفكر هو تجارب في تشجع الاخرين على التخلي عن ثقافتهم كونها عقبات في طريق التنمية ينبغي التغلب عليها.2- تنامي ظاهرة الاستهلاك الترفي في المجتمعات الجنوبية3- تحتاج عملية التنمية إلى وعي الجماهير التي ستتأثر بهذه العملية لتعرف مالها وما عليهاوطبيعي أن عملية نشر الوعي هذه تتم عبر وسائل الإعلام، ومعروف ان المجتمع بصفة عامة لا يقرأ حتى الصحف، وإنما يشاهد التلفاز بشكل كبير، فكان أن وجه إلى عقل المواطن من محطات التلفزة الفضائية فبدل أن تتوجه هذه المحطات إلى عقولهم ببرامج علمية و ثقافية هادفة تعمل على رفع مستوى الوعي لدي المجتمع، فانها تتوجه إلى عواطف و غرائز الإنسان، وتضع المشاهد في حيرة لا يعرف أين يضع قدمه و لا ماذا يريد و يبقى مشوش الذهن وهي تعمل بشكل مقصود أو غير مقصود على إحباط هذا المجتمع من خلال المتناقضات التي يتلقاها المشاهد، فأهمية الاعلام تفوق اهمية الجامعة بدليل التسارع لإقامة قناة تلفزيونية مقابل التباطؤ في انشاء مجرد ملحقة جامعية.4- غياب مراكز البحث العلمي في في الجنوب5- انتشار الفساد وسوء استثمار الموارد والإمكانات المادية والمالية.6- عدم تشجيع الكفاءات والأطر المبدعة المحلية.7- غياب التحفيز المادي والمعنوي للمقاولات الصغرى الناشئة.8- تفشي المعاملات القائمة على الانتماء القبلي.9- غياب فلسفة حقوق الإنسان في البرامج التنموية.10- انعدام إعلام نقدي هادف، وإن وجدت نواته فهي مغيبة عن التمويل الحكومي.
رؤيتنا:نرى بأن التنمية بالجنوب عمليا غير موجودة على ارض الواقع والتطبيق وإنما موجودة في الشعارات والأهداف والمؤتمرات والخطط والدراسات، حيث تعد تنمية الاقاليم الجنوبية تنمية نظرية، ولا أثر للمجتمع المدني فيها.في كل برامج التنمية الجهوية للاقاليم الجنوبية تنطلق العملية نتيجة أزمة اجتماعية او سياسية وتلاشى أويتم التخلي عنها من جراء أزمة أخرى مما يدل على أن الاختيارات كانت ظرفية ومحدودة في الزمن ونفعية أساسا وليست مبدئية وان البعد الدعائي كان السائد في تصور من وضعوها و لم تشمل التجربة الفكر المؤسساتي ولا البعد الاستراتيجي لهذه الاقاليم، وهو أهم المقومات التي تضمن الديمومة للعملية التنموية.

الخلاصــــــــــة

لانه يستحيل فصل التنمية عن الثقافة، إذ العلاقة بينهما علاقة عضوية وتكاملية، فلابد  إذاً من ربط تنمية الاقاليم الجنوبية، بحاجات ومتطلبات العنصر البشري، ربطها بما هو ثقافي واجتماعي واقتصادي وبيئي، نطمح لجعل عملية التنمية تتجاوز النمو المادي والمرافق والطرق والخدمات لتتعدى إلى ما هو هيكلي وبنوي أي النهوض بالجهة أو بالمنطقة من الداخل وجعلها تقوم بدور فعال على المستوى الوطني بشكل متكافئ مع الجهات الأخرى لتسهم في صيرورة البلاد والوطن، ولا يتم ذلك إلا من خلال تمكين كل المتدخلين في العملية التنموية، السلطات الحكومية، المنتخبون، وممثلو المجتمع المدني، من اليات متناسبة في جميع مراحل إعداد الاستراتيجية التنموية، التخطيط، التدبير، والتتبع والمراقبة.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.