الاديب محمد النعمة بيروك يكتب عن ملامح الصِّيَغ النحوية الأمازيغية في اللهجة الحسانية

0

الصحراء سكوب: ذ.محمد النعمة بيروك

مما لا شك فيه أنّ البحوث الأدبية اللغوية اللسانية والاجتماعية والانثروبولوجية تجاوزت السؤال النّمطي القديم “هل تأثرت الحسانية والأمازيغية ببعضهما” إلى السؤال الأهم “كيف” و”أين”، وذلك لاختلاف المناطق وتنوعها، إذا تحدثنا عن انتشار الأمازيغية على مدى جغرافي كبير يشمل كل بلدان المغرب العربي، ويلامس مصر، بينما تنتشر الحسانية في جانب كبير ممّا يُعرف جغرافيا بالصحراء الكبرى، حيث تمتدّ من جنوب المغرب إلى شمال مالي، ملامسة جنوب غرب الجزائر..

وإذا كانت أسباب التأثر مختلفة بدورها إلى ما هو تاريخي، باعتبار أن سكان المناطق الحسانية الأصليين كانوا من الأمازيغ، وهو ما تشهد  به أسماء الأراضي في الصحراء مثلا، كأبطيح، وإخفنير، وبئر إينزارن، وآمگالة، وأدرار، وأوسرد، وغيرها كثير، فإن التفاعل زاد عمقا بالاحتكاك الجغرافي بعد الفتوحات الإسلامية وحتى الآن، في أكثر من نقطة شمالا وجنوبا، غربا وشرقا، كان من بينها التّماس الحساني الأمازيغي  على حدود سوس جنوبا والصحراء شمالا، مما نتج عنه ومن غيره استجلاب المرادفات التي يمكن أن نستدل عليها هنا -مادام الكلام عن التأثّر بالأمازيغية- بما تستدعيه الحسانية من كلمات ذات أصول أمازيغية، سواء منها ما بقي على حاله بدون تغيير مثل كلمة “أبوخام” التي تعني الضباب أو النّدى، أو الكلمات التي حوّرت بشكل أو بآخر ككلمة “أفكروشْ” التي أصبحت “فكراش” بالحسانية وتعني الشجاع أو البطل، بينما من الكلمات ما غيّر المعنى قليلا بتغيير طفيف في النّطق، ككلمة “أرْكازْ” التي تعني الرجل في الأمازيغية، والتي اتخذت شكل “أرَكاجْ” وتعني في الحسانية الرجل وقد تعني المرأة أيضا، ويقابلها في الفصحى كلمة “مرء”.

إننا نستدلّ هنا ببعض الكلمات الواردة في الأرض أو في الألسن المبتدئة عادة بالألف المهموز -على غرار الأمازيغية- على تأثر اللهجة الحسانية بهذه اللغة، وهو المبحث الذي بلغ درجة الإشباع في أكثر من مكان وبأكثر من وسيلة.

 ولكن بعيدا عن المرادفات في حدّ ذاتها، ماذا عن الصيغ والتراكيب والقواعد النحوية، هل يمكن الحديث عن هكذا موضوع بين وسيلتين لغويتين مختلفتين في طبيعتهما التركبية، وهل يصل التأثر هذا الحد؟.

الحقيقة أن الحسانية تختلف تماما بوسائلها اللغوية في التراكيب والصياغة عن الأمازيغية، فهي –أي الحسانية- تحتفظ بطبيعتها اللغوية الخاصة الأكثر شبها باللغة العربية الفصحى، خصوصا في صيغ المصادر الفعلية، والتأنيث، والجمع وغير ذلك، غير أن هذا لا يمنع من وجود رواسب تاريخية، وتأثُّرات احتكاكية أدّت في حالات معيّنة إلى بعض الاستدعاءات النحوية من الأمازيغية، ولنر حالات المفرد والجمع:

  • المفرد:
  • المذكر:

تشتهر الأمازيغية ببدء المفرد بألف مهموز في معظم الكلمات، فنجد  مثلا:

أدرار………….الجبل

أكْمارْ……………فرس

….إلخ

وهو الملمح الذي احتفظت به الحسانية في الكلمات ذات الأصل الأمازيغي، سواء التي بقيت على حالها مثل:

أبوخامْ……………الضباب أو النّدى

أتاشْ……………العصى الغليظة

أو التي لحق بها بعض التغيير الطفيف نطقا ومعنى مثل “أرَكاجْ” التي تعني الإنسان بالحسانية، بينما أصلها “أركازْ” التي تعني الرجل في الأمازيغية.

 

  • المؤنث:

مما لا شك فيه أن التأنيث في الحسانية يستمدّ روحه من اللغة الأم، وهي العربية، المعتمدة في أغلب تلك الحالات على تاء التأنيث، وله ثلاث حالات في اللهجة الحسانية، ولنبدأ بالتي لا تصبّ في لبّ هذا المبحث،وهو التأنيث بالعرف والتداول، وهي حالات لا تعتمد على النصب ولا على التاء، بل أنها في بعض الأحيان أسماء مذكرة مثل اسم “الموكف”.

الحالة الثانية هي الأسماء المؤنثة المبنية على الفتح، تماشيا مع حالتها في الفصحى، حين تقف الكلمات المؤنثة على سكون، وهي الحالة التي استوردتها الحسانية جاهزة:

السالك………… السالكهْ

اسْويلمْ…………… اسوَيْلْمَهْ

الغالي…………..الغاليهْ

 رغم أنّ أسماء الإنااث في الكثير من الحالات أيضا تستدعي التاء مُشََكّلة فنجد مثلا:

فاطمةُ……………فاطيمَتُو

ماريا……….. ماريتُو

ونحن هنا لا نتحدث عن الأسماء المذكرة التي تحمل نفس الحالة لنفس السبب مثل
شيبة…………..شيبتَا

حمزة………. حمزَتَّا

حالة التأنيث التالية هي لب هذا المبحث، إذ يبدو جليا أن الحسانية لم تستدعِ الأسماء فقط من الأمازيغية وإنما استدعت معها صيغة التأنيث الخاصة بها والتي تقوم على وضع التاء في أول الكلمة وآخرها، مثال:

إسلي……تِسليت

أفروخ………….تفروختْ

اكومارْ………تكُمارتْ

 فمن حالات استدعاء هذه القاعدة في الحسانية التي كسرت صيغة الأنيث التقليدية بالنصب نجد مثلا كلمة “إشير” التي تعني “الولد الصغير”، وهي كلمة لا يعطينا تأنيثها في الحسانية “إشيرة” بل يعطينا الصيغة الأمازيغية في التأنيث “تِشيرْتْ”، ليس هذا فقط، بل أن المتكلم لا يعتبر حسانيا ما لم يأت بها كذلك، وسيكون أضحوكة المستمع ذي الفطرة السليمة في الحسانية إذا أنّثها بنصب آخرها، على منوال الصيغة الأشهر والأفر.

كذلك الأمر في كلمة “فكراش” أي “البطل” والتي تؤنّث بالصيغة الأمازيغية “تفكراشْتْ” ولا يُقال أبدا عن المرأة الشجاعة “فكراشة” بل “تفكراشتْ” وهي الصيغة الوحيدة للتأنيث في هذه الحالة، وقس على ذلك العديد من الكلمات ذات الأصل الأمازيغي:

إكيوْ………تِكيوتْ

فكراش…….تفكراشتْ

إشّيرْ………تِشيرتْ

بل أن اللسان الحساني لا يستغرب تأنيث بعض الكلمات ذات الأصل العربي المؤنثة أصلا، فلا غضاضة في أن يقول المرء “لحزارهْ” أي “التملّق” بالصيغة الأمازيغية التأنيثية “تَحَزّارتْ” أو”تشكّامْتْ” مثلا.

ولا تقف ملامح القواعد النحوية الأمازيغية عند التأنيث، بل يمكن تلمسها بوضوح في بعض الجموع الحسانية أيضا.

  • الجمع:

يتجلى الجمع في الحسانية على عدة مظاهر، لا تفرق كثيرا عن الجمع في اللغة العربية، مع بعض التحريف أحيانا، فيأتي على عدة أوجه، ففيه السالم والتكسير والغريب، شأنه في ذلك شأن الأمازيغية، ومنه مثلا:

رجل………رجّالهْ أو ارْجالْ

ظاية……… ظِ

وقد لا يحمل حروف المفرد:

امرهْ……أعلايات
طْفلْ……….تركهْ

وعلى الرغم من تنوع صِيغ الجمع في الأمازيغية من قبيل:

أدرار…… إدورار

أمالو………إيمولا

 فإن صيغة الجمع السالم المعهود فيها والأكثر شيوعا تبتدئ بألف مهموز وتنتهي بنون ساكنة، ومن ذلك:

أرْكازْ…………إرْكازَنْ

أيلالْ……….. أيلالنْ

أو الجمع المؤنث السالم الأمازيغي، الذي يضع الكلمة بين تاء ونون، مثل:

تامغارْ……….تيمغارين

تافوناست…………تيفوناسن

لكن ما يهمّنا هنا هو أن الحسانية تستدعى صيغة الجمع الأمازيغية هذه بشكل لا محيد عنه في بعض الكلمات، ومن ذلك كلمة “أفشايْ” التي تجمع على “إفَشّاينْ” ولن يكون المرء حسانيا، ولا مطلعا على الحسانية إذا جمعها مثلا على ، “أفشيات”.. ومن ذلك أيضا:

  • جمع المذكر:

إيكيوْ “المغني”………..إكاوّن

أتاش “العصى الغليظة”…….ايتيشنْ

  • جمع المؤنث:

تزاية “جزء من الهودج”………تيزياتن

تدينيت “آلة موسيقية”……..تِداناتن

تِفلويتْ “آخر الكاف الحساني”…………تِفلواتنْ

بينما هناك من الأسماء ما يُجمع بالصيغتين الحسانية والأمازيغية، مثل كلمة “إليويش” أي الفراش المصنوع من جلد الكبش،  والتي تجمع على “ألواويشْ” و” إلاوْشَنْ”.

ختم:

ومهما يكن فإنّه من الواضح أن الحسانية لم تكتف في العديد من استدعاءاتها الأمازيغية باستحضار المرادفات، بل بقواعدها أيضا، فكسرت في تلك الحالات قوالبها الخاصة، ووضعت المؤنث بين التاء والتاء، كما وضعت الجمع بين الألف والنون، تماما كما دأبت الأمازيغية في أشهَر صيغ المفرد والمذكر، والجمع بنوعيه، ولم يعتبر الحسانيون استحضار تلك القواعد شذوذا عن الحسانية، بل على العكس اعتبروا استحضار الصيغة الحسانية في تلك المواضع هو الشذوذ غير المقبول في المنطوق الحساني، فصارت الأمازيغية جزءا من البيان الحساني، والفصاحة الصحراوية، وربما ليس صدفة أن تسمع متكلما حسانيا يعبّر عن وضوحه بالهيئة الأمازيغية لكلمة “العربية”، حين يقول بوضوح “العربية التّاعْربيتْ”.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.