التعليم بالصحراء “الجزء الثالث”

0

الصحراء سكوب: من اعداد ; الدكتور الكيرع المهدي

الجزء الثالث

ا : الطابع الترحالي للكتاب القرآني.

يشير الباحث “بول مارتي” إلى ظهور التعليم الديني في صحراء الملثمين مع دخول الإسلام إليها أواسط القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) حيث أن وفود القبائل العربية المعقلية إلى المنطقة، أدى إلى ظهور ثقافة عربية إسلامية وبنيات اجتماعية انصهرت فيها العناصر الثقافية العربية و العناصر الأمازيغية (1). و مع ذلك يبقى شكل و مضمون التعليم غير معروف خلال هذه الفترة. نظرا لعدم إهتمام الدراسات و الأبحاث بمسألة التعليم في المراحل الأولى من دخول الإسلام إلى الصحراء، بحيث تكتفي غالبيتها بالإشارة إلى “الرباط” الذي أسسه الداعية عبد الله بن ياسين في القرن الخامس الهجري في الصحراء و كان هذا الرباط بمثابة إطار لنشر التعليم الديني و القيام بالدعوة السياسية، لأنه سيكون منطلقا لتأسيس دولة المرابطين فيما بعد. (2)

أما الأبحاث الحديثة التي تقتصر في غالبيتها على تغطية فترات حديثة من تاريخ الصحراء فنشير بالخصوص إلى الكتاب القرآني باعتباره كان يشكل أحد الأسس المتينة للتعليم عند الصحراويين قديما، ما كان يميز هذا الكتاب هو الطابع الترحالي والأهلي، حيث كان الصحراويون يحرصون أن يكون حاضرا في كل تنقلاتهم أستاذ الخيمة(1) حيث كان يتفق “لفريك” و هو مجموعة متجاورة من الخيام على اختيار أستاذ لأبنائهم له دراية بأصول الدين، إذ كان هذا الأخير يحظى بعناية وثقة و إهتمام داخل لفريك.

فلمرابط (الطالب) هو المعلم الرسمي في “لفريك” و الذي هو عبارة عن مجموعة من الخيام من 5 إلى 10 خيام، كل خيمة تشكل أسرة أو عائلة، تستقر المجموعة (لفريك) في مكان معين في مدة معينة و خاصة في الصيف و الربيع. ذلك لوجود الماء و الكلأ، فالماء (البئر) هو الذي يتشكل حوله لفريك أو المَحْصَرْ و هو عبارة عن تجمع لأكثر من ثلاثين أسرة (خيمة). و الذي من عادته أن يستقر في مكان واحد لمدة تزيد عن السنة مما يتطلب قيام نظام قانوني يعرف “بأيت أربعين” و هو عبارة عن تجمع لأربعين رجل يمثلون حكماء الأعراش، يعينون من بينهم شيخ يكون عادة الأكبر سنا و الأكثر تجربة و علما و كرما، و من الشروط الواجب توفرها في المعلم أن يكون من أهل الدين و الصلاح والعفاف والتقوى و المعرفة، فإن كان عنده مع ذلك علم في العربية فهو أحسن، فإن زاد بفقه فهو أولى، فإن زاد بكبر فهو أجل فإن زاد بورع وزهد فهو أوجب(2).

فالطالب أو المرابط كما يدعوه البعض هو أنبغ التلاميذ عند شيخ “المحضرة” وهو الذي يختاره لتدريس القرآن و العلوم الأخرى للرحل و أبنائهم و إن كان الأمر يقتصر أحيانا على طالب يحفظ القرآن الكريم فقط (3)  فيكون التلاميذ الذين يرغبون في إكمال دراستهم ملزمين بالذهاب إلى “المحاضر” و الذين يسمون أحيانا “بتلاميذ الغربة” و يتكفل بالنفقة عليهم أغنياء البلدة أو شيخ الزاوية نفسه حتى أن بعض الشيوخ كانوا يصطحبون التلاميذ معهم في رحلاتهم مهما طالت، ذلك أن التعليم و التعلم أمران مقدسان، فقد يكتفي التلميذ بوجبة واحدة غير متكاملة خلال أربعة و عشرون ساعة أو أكثر و يتحمل المعاناة و الغربة في سبيل العلم، ناهيك عن الخدمات التي يقدمها التلاميذ لشيوخهم و الولاء التام و الدائم لهم والذي ينتقل من الآباء إلى الأبناء ذلك أن دور الشيخ أو الطالب أو لمرابط لا ينحصر في التعليم فقط بل هو الشخص الساهر على حفظ تعاليم الإسلام و التقيد بها في الجماعة، هو الإمام في الصلاة و هو القاضي، هو القائم بغسل الموتى و أبرز المعزين لذويهم، و هو الذي يقوم بتقسيم أموال الزكاة، المدفوعة من طرف الأغنياء للفقراء، لذلك يحظى بإحترام خاص و ثقة تامة من طرف الجميع، فله خيمته الخاصة و ماشيته و الكل يرغب في تزويجه من بناته إن لم يكن متزوجا، تجدر الإشارة إلى أن هذا التعليم إذا كان ملازما “للفركان” أي ذو طابع ترحالي فإن مدينة السمارة عرفت على العكس من ذلك تعليما مستقرا. كما أن تلقي العلم على يد شيخ فاضل لا ينفي وجود صبيان تلقوا تعليمهم الأولي على يد أمهاتهم أو عماتهم أو إحدى أفراد عائلاتهم، وذلك قبل مرحلة التعمق في التربية الدينية على يد متخصصين(1).

المدرسة القرآنية، اذن كانت مهمتها هي تعليم القراءة و الكتابة للمبتدئين و تحفيظ النص القرآني فهي لا تختلف كثيرا عن الكتاتيب القرآنية المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي باستثناء أنها كانت كتاتيب متنقلة تتلائم و حياة السكان الرحل(2).

 (1)  لقد حدثت الغزوات العربية في الصحراء الكبرى في نهاية القرن الرابع عشر، في عصر كان فيه سكان الساحل(سكان الساقية الحمراء ووادي الذهب) من السونينكة و صنهاجة، من المجموعات التي أعتنقت الإسلام؛ وكان الطابع الصنهاجي يجنح للتفوق أكثر فأكثر مع هيمنة العرق الأبيض السياسية، و تقهقر الزنوج إلى الجنوب أو اختلطوا بالعنصر الأبيض و تنكروا لأصولهم، و قد خص ابن بطوطة بالذكر قبيلتي “مسونة و برادمة” “بوردام الطارقية” اللتين كانتا تتجولان في المنطقة، و هناك في هذا الشأن بعض الصفحات المفيدة التي يمكن الرجوع إليها، كما يمكن الرجوع إلى المجلد الثاني من كتاب دلافوس Delavosse : (السينغال الأعلى و النيجر) و في تلك الحقبة و صلت الهجرات العربية المسماة بالحسانية و هي تلك القبائل المحاربة ذات الأصول العربية الأكيدة، تعرف بهذه التسمية لتميزها عن قبائل الطلبة أو الزوايا التي يعكف أفرادها على الدراسة و شؤون الدين و لا يحملون السلاح.

و ينحدر بنوحسان من المعقل و هو إسم يطلقه المؤرخون العرب على إحدى القبائل العديدة التي أنقضت على إفريقيا الشمالية خلال القرنين الحادي عشر و الثاني عشر و يؤكد هذا النسب الحسن الوزاني (ليون الإفريقي Leon . L.Africain) حيث يقول :”تنقسم معقل إلى أودي وحسان … ألخ كما يؤكد ذلك مرمول : Marmol و تجمع عليه أيضا دراسات الروايات العربية سواء في موريتانيا و البلاد المجاورة.

و “كانت عصائب معقل تعيش في بداية القرن 12م في مثلث ملوية – تازة – الريف و استدعاهم في حدود 1235م لبلاد سوس. “علي بن يدر” و هو زعيم من قبيلة هنتاتة ثار ضد السلطان الموحدي، فاستجابت له القبائل الحسانية وساندته بالقوة حيث أصبحت متخصصة في ذلك : لقد نجح بن يدر بمعونة حلفائه الجدد في جلب الخراب لبلاد سوس.

و تقدمت عصائب معقل هذه على شكل فريقين هما : الشينات و بنو حسان، فانحاز الأولون عموما إلى جانب لمطة الذين كانوا يسكنون بجانب جبال الأطلس في حين عقد الحسانيون حلفا مع جزولة الذين بقوا في الصحراء، و هكذا أصبحت قبائل موريتانيا العليا تدعى بإسم جزولة.

و كانت منطقة الساقية الحمراء في ذلك الوقت تشكل الحد الأقصى لغارات بنو حسان، و في هذه الفترة (القرن 14) قاموا بإجتيازهم متجهين للجنوب لفتحه”.

أنظر : بول مارتي، “القبائل البيضانية في الحوض و الساحل الموريتاني و رفضهم الإحتلال الفرنسي للمنطقة” ترجمة محمد محمود ودادي، ط 1، دار الكتب الوطنية، بنغازي – ليبيا، 2001، من ص : 7 إلى ص : 14.

[ حماه الله والد السالم، “المجتمع الأهلي الموريتاني – مدن القوافل 1591 1989) منشورات مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – 2008.

 (2)   الحسن بن محمد الوزان، “كتاب وصف إفريقيا”، ترجمة محمد الأخضر و محمد حجي المغرب – 1982.

– مرمول كرفخال : من مواليد غرناطة في القرن 16 مشارك في إحتلال مدينة تونس على يد الامبراطورية شرلكان سنة 1535، ثم التحق بالسلاطين السعديين في مراكش، و أقام حوالي 22 سنة، و عند عودته كتب كتاب عن إفريقيا وقد ترجمته عن الفرنسية لجنة من الأساتذة المغاربة. طبعة مكتبة المعارف سنة 1984.

– أنظر كذلك : – محمد بن محمدن، “المحاظر الموريتانية، الجامعات البدوية المتنقلة”، مجلة التاريخ العربية، عدد: 22، 2002م،ص : 344.

                   – رحال بوبريك، “دراسات صحراوية : المجتمع و السلطة و الدين”، مرجع سابق، ص : 15.

 (1)- أستاذ : يقال له الطالب أو لمرابط.

 (2)- أحمد الهيبة، “سراج الظلم فيما ينفع المعلم و المتعلم” مخطوط في ملك ماء العينين مربيه ربه، ص :2.

(3)-Voir : Christine Perregaux, «L’école Sahraoui… » .op. cit , P : 47- 48.

  (1)- مقابلة مع حسن  سيدي عثمان، عضو المجلس العلمي و أستاذ الإسلاميات و خطيب جمعة – العيون، 26/11/2006.

(2)-Voir : Christine Perregaux, «l’école sahraoui de la caravane à la guerre de libération» op.cit, P : 13.

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.