الدكتور المهدي الكيرع يقدم قراءة في مستجدات ميثاق اللاتمركز الإداري بالمغرب

0

الصحراء سكوب:  من اعداد : الدكتور الكيرع المهدي

مقدمة :

 إذا انطلقنا من رؤية عامة تقارب الجهاز الإداري على انه عبارة عن “مجموعة أنماط سلوكية للإفراد العاملين في جهاز الدولة والجماعات، أي الوحدات التنظيمية المختلفة في الجهاز، مترابطة فيما بينها بموجب ضوابط سلوكية رسمية،  بمعنى القوانين واللوائح والأوامر والتعليمات. وغير رسمية ، كالعادات والتقاليد والأعراف ، موجهة لتحقيق أهداف معينة متعلقة بتنفيذ سياسات الدولة ، ضمن الإمكانات المادية والبشرية المتاحة “.

 فان النتائج الأولية لهذا المنطلق، تحتم دون شك النظر إلى عملية الإصلاح الإداري ضمن بيئة سياسية، ومحيط اقتصادي واجتماعي.

من هذا المنظور يبدو الاصلاح الإداري عملية سياسية ، لأنه يهدف  بالضرورة لتنمية التوازن الديناميكي والتفاعل العضوي بين مؤسسات الدولة على اختلافها من جهة ، ولان تحقيقه يقتضي المشاركة الايجابية ليس من طرف المؤسسات السياسية  فحسب، بل من قبل كافة الفئات المشكلة لنسيج المجتمع من جهة أخرى، بالقدر الذي يؤمن بلورة الأهداف المعلنة وفق السياسات الكلية للدولة ، ذلك أن عملية الإصلاح لها صلة وثيقة بالقيم والمعتقدات ، والأفكار السائدة في المجتمع ، وبالتالي لا يمكن فصلها عن تلك القيم التي تنتج عن عملية تحسين الأجهزة الإدارية التي ستصبح أكثر قدرة وأعلى مستوى من الكفاية.

إن هذه النظرة الإستراتيجية التي تحاول مقاربة عملية الإصلاح الإداري داخل نسقها السياسي ، بإبعاده الاجتماعية والاقتصادية ، من خلال ربطها بعملية الانتقال الديمقراطي ، لا تأتي في الحقيقة من فراغ ، ولكنها تعكس بالضرورة الثقافة السائدة في المجتمع، والاختيار السياسي المتبع في توزيع الأدوار بين الفاعلين داخل النسق السياسي وإدارة الاقتصاد والأجهزة الأخرى ، لذلك فان وجهة الإصلاح الإداري ومضمونه لا بد أن ترتكز على مفاهيم واضحة ومحددة للسياسات التي تريد الدولة تطبيقها.

 بالمقابل فان السير في طريق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي تشكل عملية الانتقال الديمقراطي إحدى مكوناتها الأساسية ، يتطلب تنمية إدارية بنفس القدر، إذا لم يكن بقدر اكبر ، لان الإدارة هي جزء من النظام الاجتماعي والسياسي ، وإصلاح عيوب الأجهزة الإدارية يتصل بإصلاح الإطار العام الذي تعمل فيه الإدارة ، ليس فقط لكون الأجهزة الإدارية  تنظيمات ترتكز على أساس ومبادئ تنظيمية محددة، وإنما تبنى على أساس علمي مفاده أن الأجهزة الإدارية مؤسسات اجتماعية وسياسية ترتبط بغيرها من المؤسسات ، في إطار شامل هو التغيير الاجتماعي والسياسي.

يعرف المختصون والمهتمون والمتتبعون، أن تدبير الشأن العام من الناحية الإدارية لا يخرج عن إتباع أسلوبين من التدبير : المركزية واللامركزية

ويأخذ كل من الأسلوبيين صورتين :  فالمركزية قد تكون مركزية مع التركيز او مركزية  مع عدم التركيز

ففي الصورة الأولى تكون المركزية مطلقة ، إذ تسير كل الأمور الإدارية من المركز العاصمة من لدن السلطات المركزية المختصة في القضايا الكبرى أو غيرها، أما في الصورة الثانية، المركزية مع عدم التركيز فهي تخفيف للصورة الأولى وتنازل السلطات المركزية عن جزء من اختصاصاتها عن طريق التفويض بنصوص واضحة إلى ممثليها خارج العاصمة في مختلف الوحدات الترابية للدولة.

وكل صورة  من الصورتين تعكس مدى الحرص على عقلنة وتسهيل تدبير الأمور اليومية للمواطنين والمواطنات ، بارتباط مع مهام والتزام السلطات العمومية في نطاق اختيار المركزية، وفي هذا الإطار كان المغرب يطبق المركزية مع عدم التركيز

أما الأسلوب الثاني : فهو اللا مركزية ، وتأخذ هي الأخرى صورتين : الصورة الاولى في تقسيم التراب الوطني للدولة إلى وحدات ترابية متنوعة تتمتع بالشخصية المعنوية بكل ما يترتب عنها من استغلال إداري ومالي تحت إشراف أو وصاية السلطات المركزية( الجماعات المحلية )

إما الصورة الثانية للامركزية ، فهي اللامركزية المرفقية او المصلحة نسبة الى مختلف المرافق والمصالح الإدارية أو التقنية أو القطاعية التي تشتغل بها، وتعرف بالمؤسسات العمومية والتي تتمتع هي الأخرى بالشخصية المعنوية.

إن نظام اللا مركزية الإدارية والذي عرفة المغرب في ستينيات القرن الماضي وتم تدعيمه انطلاقا من سنة 1976، فقد اعتبر بمثابة تقنية لتحديث البنيات المحلية ووسيلة مهمة للتواصل مع المجتمع .

وباعتبار الجهة إحدى الدعامات الأساسية للامركزية ، فان من خصوصيات النقاش حول الجهوية بالمغرب ، هو ارتباطه بمسلسل الإصلاح السياسي والإداري الذي عرفه المغرب على امتداد عقود من الزمن ، فعلى عكس الدول التي ارتبط إصلاحها الجهوي بمشاكل وصراعات محلية، فان الحديث عن الجهة والجهوية مرتبط برغبة في تدعيم الديمقراطية المحلية ، حيث بقيت الجهوية الحلقة الغائبة في البناء الديمقراطي، وأضحت وسيلة لإصلاح دواليب الدولة وتحديثها وتطوير وعصرنه النظام الإداري محليا ومركزيا.

 وفي إطار تدعيم التمركز الإداري دشنت حكومة التناوب 97-2002 مرحلة جديدة في إعداد النصوص القانونية المتعلقة بإصلاح نظام اللا مركزية وما يتفرع عنها من مقتضيات ذات العلاقة الوطيدة بالعملية الديمقراطية ، والتزمت حكومة اليوسفي في تصريحها الأول في ابريل 1998 ، بإصلاح نظام اللا مركزية  حيث التزم السيد رئيس الحكومة آنذاك بان الإدارة ستتقرب في نطاق- سياسة إدارية لإعداد التراب- من الأرض ومن المواطنين أكثر من أي وقت مضى مما يفرض إعطاء المسؤولية للجماعات اللا ممركزة.

في سنة 2000، فتح النقاش  ويشكل معمق حول مفاهيم المركزية وألا تمركز الإداري بعد الرسالة الملكية التي وجهها الملك إلى المشاركين في اللقاء الوطني حول إعداد التراب الوطني والذي دعا فيه المشاركين إلى اعتماد منظور جديد لا عداد التراب الوطني، وألح في رسالته على ضرورة التفعيل التام لدور الجهة مؤسسة وإطارا في تحديد إستراتيجية ناجعة  لإعداد التراب الوطني ذلك أن نجاح أي مشروع للتنمية الترابية رهبن بتبني البعد الجهوي .هذه الرسالة تضمنت دعوة مباشرة إلى إقرار قوانين ألا مركزية والاتمركز ، واستمر النقاش حول ضرورة اعتماد الا مركزية وإرساء اللا تمركز الإداري الى حدود 2014، حيث انخرطت حكومة السيد عبد الاه بنكيران في تفعيل صحيح وسليم الجهوية المتقدمة.

وفي تحضير ميثاق ألا تمركز ونتيجة لفشل الحكومة السابقة في إنجاح مشروع الجهوية، دفع بالملك إلى التذكير في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 13 اكتوبر 2015 إلى ضرورة تسريع تطبيق الجهوية المتقدمة، كما وجه الحكومة لوضع جدول زمني مضبوط لاستكمال تفعيل الجهوىة المتقدمة  ولإخراج ميثاق متقدم للاتمركز الاداري. وفي اكتوبر  من سنة 2018، صادقت الحكومة على مشروع مرسوم حمل العدد 2-17-618 بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الاداري الذي يرمي إلى مواكبة الجهوية المتقدمة والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحفيز الاستثمار  وخلق فرص الشغل والرفع من جودة الخدمات الاجتماعية وتقريب الخدمات العمومية إلى المرتفقين، ويقوم ميثاق الاتمركز الاداري على مرتكزين أساسيين وهما، كون الجهة هي الفضاء الملائم لبلورة السياسة الوطنية للاتمركز الإداري، بالنظر إلى ما تحمله من أهمية ومكانة في التنظيم الإداري للمملكة.

والمرتكز الثاني يقوم على أهمية الدور المحوري لوالي الجهة باعتباره ممثلا للسلطة المركزية في الجهة في تنسيق أنشطة المصالح اللا ممركزة والساهر على سيرها ومراقبتها تحت سلطة الوزراء المعنيين.

 ومن أهم المستجدات كذلك العمل على ترشيد النفقات  العمومية من خلال اعتماد مبدأ التعاضد في الوسائل المادية والبشرية، فضلا  عن العمل على اتخاذ ما يلزم لتخويل رؤساء المصالح اللا ممركزة جهويا صفة أمرين بالصرف جهويا، وكذا تمكين رؤساء التمثيليات الإدارية اللاممركزة تدريجيا من صلاحيات تدبير المسار المهني للموارد البشرية الخاضعة لسلطتهم على الصعيدين الجهوي والإقليمي، علاوة على تنظيم مباريات موحدة لتوظيف الأطر المشتركة بين القطاعات الوزارية المعنية للعمل بالمصالح اللا ممركزة التابعة لها.

فمما لا شك فيه أن المغرب قطع اشواطا جد مهمة في تمديد نطاق النسق اللا مركزي الترابي منذ بداية الستينات توج في نهاية الأمر وبتوافق جميع الأطياف السياسية على الحرص وتثبيت دعائمه بنظام الجهوية المتقدمة والا تمركز الإداري. هذا النظام الذي يهدف أساسا إلى نقل مسؤولية تنفيذ السياسة الحكومية العامة على الصعيدين المحلي و الجهوي الى الولاة والعمال بصفتهم ممثلين للدولة على المستوى الترابي، والتأكد من الانجاز الفعلي لبرامج الحكومة من طرف المصالح اللا ممركزة ، والنهوض بدور المحاور المؤهل لدعم المجهود الذي يقوم به المنتخبون والفاعلون الاقتصاديون المحليون.

ان تفعيل مرامي ميثاق الاتمركز الإداري وربطه بمتطلبات الجهوية المتقدمة ، سوف يؤدي بلا شك إلى عدم تركيز السلطة وتوزيعها والى نقل اختصاصات الإدارة المركزية إلى الإدارات البعيدة منها جغرافيا ، للقيام بمهام معينة عهدت إليهم وتخويل المصالح الجهوية والإقليمية صلاحيات اتخاذ القرار وفق أليه تفويض السلطة او الإمضاء مما سينجم عنه تخفيف عبئ الإدارات المركزية وإتاحة سرعة اتخاذ القرارات على المستوى المحلي عن طريق سهولة التنسيق بين الإدارات مما سينتج عنه ارتباط متناغم لورشي الجهوية المتقدمة والاتمركز الإداري.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.