السقوط الحر بقلم: ذ.ع الكريم دودوش

0

الصحراء سكوب:      بقلم: ع الكريم دودوش

أصبحت لا اطيق الفراغ لأن وكما الحال الآن، يجعلني اعبث بذاكرتي، وهي تلفظ ذكريات -بطعم العلقم تنخسني محدثة ألما فظيعا-كان يجب ان تنسى أو تمحوها أخرى أخف وطأ أو على الأقل اقل ايلاما، هذا العبث بالذاكرة يجعلني أراجع شريط الأحداث التي عاشتها بلادنا في السنوات الأخيرة والتي أحدثت دويا مزعجا أيما إزعاج،أدخلها في خانة الانتكاسات المتتالية للفطرة البشرية، والمشكل الذي يجعل هذه النوازل تتجدد بإيقاع غدا سريعا ومطردا وبتجليات بمزيد من الانسلاخ عن إنسانيتنا، هو سرعان ما ننسى وهذا حالنا دائما ذاكرتنا قصيرة لا تستوعب كما كبيرا من الأحداث،أحداثا تلو أحداث شكلت انعطافا خطيرا نحو هوة سحيقة، حيث تنتفي بالمرة أدميتنا، ونتقهقر مزيدا في درك ما دون الحيوانية: أسفل سافلين. ولا أظن إنسانا يحمل قلبا في جوفه لم يعتصره الألم ولم تتصلب شرايين جسده ولم تتشمع كبده، وهو يستحضر شريط المراهقين الأربعة يحاولون اغتصاب معاقة داخل حافلة بالبيضاء وسط ذهول ولا مبالاة الركاب، محاولين تجريدها من ثيابها ثم العبث بمناطق حساسة من جسدها. وحادثة فض بكارة فتاة منغولية بمدينة القنيطرة. وفاجعة الزوفيليا التي أصبحت بفضلها مدينة سيدي قاسم أشهر من نار على علم. وغيرها من الأحداث المقززة التي تعاقبت فقط في الصيف القائظ، الفائت. ولن ينسى أحدنا كيف ابتدأ الموسم الدراسي الحالي ساخنا بالأحداث، في حق رجالات التعليم في جميع ربوع مغربنا الحبيب، بدءا بالتعنيف اللفظي والجسدي ثم السلخ والسحل مرورا بالجرح والذبح إلى حد القتل، في آخرما وصله مسلسل الإجرام التربوي (حادثة فاس الأخيرة نموذجا) ليستنتج أن هذه الأحداث والتي ينفطر لها الفؤاد كمدا وتدمي القلب دما، هي مؤشر لا يخطئ الطريق أننا استودعنا أدميتنافي مكان وجلسنا في مكان أخر نمارس شيئا مختلفا لا هو حيوانية ولا وحشية. ولا يصادف أي معنى في قواميس بني البشر. ولا أي شيء أخر يمكن أن نقتبس منه لفظا يضاهي فظاعة وفداحة ما نسمع ونقرأ ونشاهد من وقائع وأحداث تزيده مواقع التواصل الاجتماعي التي انتشرت كالنار في الهشيم ألقا وتأججا يعمي الأبصار. تصنع منا كائنا فسيفسائيا مسيخا لا هو إنسان ولا حيوان بل أدنى من ذلك بسنوات ضوئية. ذلك أننا بمعادلة بسيطة وعملا بمقتضى المنهج الرباني يمكن أن نرتقي بسلوكنا إلى أعلى المراقي ولكن بالمقابل بمقتضى المنهج الشيطاني يمكن أن نمارس هبوطا يهوي بنا قاعا صفصفا إلى ما دون الحيوانية. والحيوانات في ذلك تظلم أيما ظلم عندما تقارن بعض سلوكاتها بسلوك البشر وهي التي فقط تتصرف بالفطرة ولا تبيت أي نية للإساءة فقط تمارس نزوعها وفطرتها طلبا للبقاء ومصارعة للانتصار لنفسها ولا تؤذي إلا حين تجوع أو تشعر بالخطر يحدق بها عكس الإنسان الذي لا يطغى ويتجبر ويقسو إلا حين يشبع ويمتلئ.بل تجدني افتقد الوصف الذي يفي بالغرض للذي يستطيع الإقدام عليه إنسان هذا الزمان من سلوكيات بلغت من الغرائبية والشناعة والبشاعة أبلغ مدى. وخوفي كل الخوف كيف نحمي أولادنا وفلذات أكبادنا بعدما حسمنا في عدم كفاية وعجز الأمن في تطويق هذا الانفلات الذي لم يسبق له نظير ترى هل سنكون مجبرين على تجهيز أبنائنا بصناديق حديدية محكمة الإغلاق تقيهم اعتداءات محتملة لنطمئن على سلامتهم وهم جغرافيا خارج التغطية الأسرية. أم ترانا سنكون مضطرين لتدججيهم بالسلاح المرخص للدفاع عن أنفسهم. أم أننا وهو الذي يتراءى محتملا جدا في الأفق القريب تعميم اساور GPS لمواكبة أمكنة تواجدهم على مدى أربعة وعشرين ساعة كما يفعل ببعض مطلقي السراح المؤقت.  يموت الإنسان ويحيي وهو يتخيل السيناريوهات المحتملة، وهو يتخيل الأسوأ الذي يمكن أن يتعرض له الأبناء في كل المواقف وفي كل المواقع. هل نحن واعون بالخطرالداهم الذي يتحيننا في كل وقت وآن لا يستثني منا لا الصغير ولا الكبير لا الأعمى ولا البصير لا الأنثى ولا الذكر لا الغني ولا الفقير. ظواهر تتكرر في اليوم مرات لا يكاد ينتهي أثرها حتى تتجدد،عن أي إصلاح للمناهج التربوية يتشدقون بأية تقوية لمنظومة القيم يتحججون. وأين المناعة الروحية التي ستقف سدا منيعا أمام أية محاولة لزعزعة عقيدتهم وترويع أمنهم الروحي. ولا أدل على ذلك من الأحداث التي تعرفها الساحة بتواتر سريع بمعدل حلقة مطولة يوميا على غرار المسلسلات التركية ذات الألف حلقة أو يزيد الفرق الوحيد الحلقات التركية من وحي الخيال وبنهاية سعيدة والحلقات المغربية حقيقية وبنهاية تراجيدية دامية ومدمية.وعن أي مواجهةللحياة بكل ثقة وشجاعةيتحدثون في عالم متغير بالملل والنحل، خاصة أمام الضغط الهائل والمتسارع للتطور التكنولوجي الذي لا يرحم، والذي من فرط وطأة الحياةجعل مؤسسة الأسرة  تستقيل من مهمة تربية فلذات أكبادها. ولعل من الأسباب الموضوعية لضمور دور التربية القبل المدرسية عن لعب دورها المعهود أن الأطفال قبل ان يصبحوا متمدرسين درجوا رحاب المؤسسات القبلية من قبيل الاسرة والاعلام والشارع والروض وتنقلوا بين فضاءات المجتمع فقدوا البوصلة وهم يعاينون التعارض الصارخ بين ما تلقوه من خلال هذه المؤسسات وما وجدوه في الخطاب الرسمي.إن الخطاب الرسمي الذي رمى بكرة منظومة القيم في ملعب المؤسسة التربوية والذي بتمويه منه أو تصريف للراي العام عن راهنية الواقع المعيش وحقيقته وتفاصيله،والمنتج للبروفايل الذي يصل به هذا المتعلم إلى عتبة المؤسسة التربوية،عبر سيرورة من المحطات الفاعلة في حياته، جعلت منه إنسانا غير طيع متمنع متمرد ضد نفسه. أين الأليات والأدوات التي توهم المصلحون أنها ضمان للانخراط الفعلي والجاد لمجموع المتمدرسين في منظومة القيم التي تسوقها المناهج والبرامج الإصلاحية.أين هوتأهيل المنظومة من أجل تحقيق مدرسة مغربية ديمقراطية ومواطنة، مدرسة فعالة ومنتجة ومفعمة بالحياة، تجعل المتعلم في صلب المنظومة التربوية، يستدمج عبرها القيم وينتج بفضلها المعرفة ويدرك العلاقة بينها وبين الفعل، فيكتسب قدرات ومهارات تؤهله للاندماج في المجتمع والتموقع في عالم متغير ومتجدد مسهما بإقلاع بلده في مصاف الدول الراقية: فيقوا! إنها أضغاث أحلام ليس إلا. إن المدرسة وكما تجلى للعيان لا يجب أن تحمل ما لا تطيق وأن الاستقالة القهرية من مهمة التربية التي فرضها إيقاع الحياة المتسارعة في زمننا الرديء على المجتمع بفعل خروج المرأة للعمل، وتقاسمات الرجل والمرأة الأمن والاستقرار الاقتصادي للأسرة، وتردي الإعلام وتعفن الشارع وتخلي الجميع عن رسالته التربوية والاستقطاب الغربي وتغير نمط الحياة والاستغراب والابتعاد عن الطقوس الدافئة للعادات والتقاليد المستمدة من الشريعة السمحة  ونمط الحياة المستورد من الغرب…، جعل الأجيال الأخيرة تعرف تحولات مريبة على مستوى السلوك والقيم، إذ أصبح التماهي مع كل وارد وشارد ولو كان لا يمت بصلة إلى القيم التي تربى عليها الوالدان و لا إلى المرجعية السوسيوثقافية التي ينتميان إليها، جعلت منه مسخا من الإنسان العادي من خلال سلوكيات وتمظهرات تتجلى في اللباس ومنها نماذج استرجعت الانسان البدائي من حيث العري من أجل العري والاستعراض الرخيص المثير للغثيان بل بلغ حد التصريح بالممتلكات: المقدمات منها والمؤخرات، من خلال إنزال السراويل إلى مستويات قياسية والمنافسة على تحطيم الرقم القياسي في مستوى إعلاء التنانير نحو مزيد من الكشف على الأفخاذ المترهلة ومزيدا من الجرأة في شق الصدور، هبوط ما بعده هبوط وإنزال يضاهي الإنزال المطرد في مستوى الوعي بالذات، وصعود صاروخي لأعلى درجات الاستلاب والانضياع ،والأنكى من هذا أصبح التباهي و التبجح بأسمال مرقعة وممزقة ضرب من الترف وتوجه نحو التسلق المطلق نحو الطبقة الأرستقراطية، وذلك لعمري قمة قمم الانتكاسة في الفطرة البشرية وتأليه للموضة أيما تأليه،والتي أضحت اخطر من أعتى المخدرات بل من جميع الموبقات التي عرفها الإنسان في مسار حياته. إذ كيف لإنسان سوي أن يستسيغ ارتداء ملابس ممزقة مقابل أثمان باهظة وأداء مقابل مغري مقابل تسريحة، تقربه من القردة والخنازير: قزعا وزركشة أو قجة تشيطن هيئته و تثير كثيرا من الغبن والتقزز، وتجعله خارج السياق عوض أن تميزه وتزينه كما يتبادر لذهنه المريض،مبعدة إياه أكثر ما يكون عن الصيغة العاديةلبني البشر. إنه التوجه يا سادة نحو الاغتراب،نحو الانسلاخ عن الهوية نحو اللاانتماء.ولعل انمحاء دور الاسرة وتخليها عنه كلية بل وانهزامها امام تجبر وسلطة هذا الجيل الهلامي الموغل في الميوعة والتفسخ جعلها لا تشكل بالنسبة إليه سوى كونها خادما مطيعاوعبدة مشرطه الحناك وبقرة حلوبا يستدر منها متى شاء، لدرجة أصبح معها لا يفكر إلا في اشباع غرائزه ونسي تماما أن الحياة ليست فقط من جنس ما يتصل بالاستهلاك واشباع الغرائز وحدها.

 ان اختلال النظام القيمي واهتزازه يفقد الانسان توازنه الروحي والاجتماعي ويصبح في مهب الريح وإذا افتقد التوازن والاستقرار النفسي وحل محلها الاندفاع والحماس الزائد والتهور والانجراف ستتعمق الهوة بينه وبين قيمه السمحة الدينية والوطنية-التي جعلت منا لردح من الزمن أناسا بحد أدنى من الوعي والأخلاق وتمثل إيجابي حيال المثل العليا، وأناسا بسلوك سوي يوازي المعايير الكونية بجميع تفرعاتها-.إن هكذا وضع سيعجل  قرع ناقوس الخطر لسقوط حر نحو وهدة لا يعرف لها قاع ولا مستقر.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!