المنظومة والإصلاح: ذبيحة تترنح

0

بقلم ذ: ع الكريم دودوش.                                                                           

إن مجرد إلقاء نظرة خاطفة على كرونولوجيا الإصلاحات التي عرفتها المنظومة مند مناظرة افران الشهيرة الى الميثاق الوطني مرورا بمحطات عديدة يستنتج أن دار لقمان لا زالت على حالها رغم الآمال والتمنيات التي علقها عليها الرأي العام التربوي والإمكانيات الخيالية التي رصدت لها نرى أننا خرجنا بخفي حنين. دون أن ننكر بعض النقط الإيجابية التي سجلتها الإصلاحات رغم أنها أخطأت العمق ولم تكن كافية للنأي بالمنظومة عن التخبط والعشوائية والتردي والارتجال، بل جعلها تتبوأ مكانة راسخة في ذيل سلم التقييمات الدولية ولا زالت الى اليوم تترنح في مكانها من فداحة التشوهات التي قرحتها بسبب تعاقب عمليات التجميل والترميم، عبر تاريخ ما بعد الاستقلال وعدم براءتها من متلازمة الفشل التي وسمتها.

في خضم هذا الوضع المأزوم وحالة الموت السريري  الذي أصبحت عليه المنظومة ،حدث الانفجار العظيم،إثر التغيرات الإقليمية و الدولية التي عرفها العالم و التي جعلت المغرب يتحرك في اتجاه احتواء الوضع بسن دستور جديد لدرء الخطر الداهم الذي التهم عدة أنظمة ودول، دستور 2011 أولى عناية خاصة بالتعليم و أقر أن لكل طفل الحق في تعليم ميسر الولوج وذي جودة و ملائم لمتطلبات الحياة العصرية (الفصل 31 و32) ،ولم تتوان أعلى سلطة في البلاد عن حدو نفس الحدو عندما أقرت الخطابات الملكية الأخيرة أن الإصلاح يجب أن يتخطى عتبة الفصل الدراسي وأن يعاد النظر في المقاربات البالية والمنتهية الصلاحية لبلورة نفس جديد من شأنه أن يجعل  المدرسة تقلع من جمودها وتستأنف مسارا جديدا يحدث القطيعة مع الزمن الرديء. وكان من تداعيات الانفجار العظيم أن تحركت السلطات التربوية في هذا الاتجاه خصوصا وأن رجات ارتدادية كانت تعاود بين الفينة والأخرى مهددة بالتصعيد فجدد المجلس الأعلى للتعليم وتحركت الوزارة الوصية وانطلقت المشاورات الموسعة التي ولأول مرة أقحمت جميع المتدخلين و جميع الأطراف المعنية ،و بعد مخاض عسير تفتق عن رؤية خمس عشرية جد طموحة وتدابير ذات أولوية ومنهاج منقح و استبشر الرأي العام التربوي خيرا بهذه الثورة العارمة وو ضعت رزنامة للتنزيل و الأجرأة، لكن سرعان ما سيصاب المتتبع بخيبة أمل واحباط  كبيرين  عندما سيلمس ذلك التماطل والتلكؤ والتسويف والتمطيط الذي طال التفعيل ومرة  أخرى أخطأ الإصلاح موعده مع الإصلاح وأصبح هو بنفسه يحتاج للإصلاح – تمخض الجبل فولد فأرا – ونحن نلاحظ أننا  تأخرنا بثلاث سنوات على  موعد الإقلاع الذي حدده المسؤولون بعد دراسة مستفيضة وعلمية وتفكير عميق استنفذ أصلا الجهد والامكانيات .أليس هذا ضحكا على الذ قون  وغيابا للرغبة الحقيقية في الإصلاح .ان احباطا كبيرا يجثم على الأنفاس ونحن نرى كيف أن هذا الإصلاح (خرج مائلا من الخيمة )كما يقال، حتى التدابير التي ألبست لبوس الاستعجالية مشت ممشى السلحفاة ولا زالت تراوح مكانها ولحد الآن لا يلمس أي تفعيل ملموس اللهم بعض الشظايا التي تتطاير هنا وهناك كالمنهاج المنقح و المصاحبة التربوية.

ان أزمة التعليم بكل حيثياتها وتفاصيلها، بكل قضها وقضيضها مسألة ضمير ليس الا. وأكاد أجزم أن الخلل لا يهم منظومتنا فقط بل يطال جميع القطاعات وهي أزمة بنيوية شاملة مرتبطة بمشروع مجتمعي مدروس أخذ مهندسوه المشعل من المستعمر لإقرار الوضع وتجميد الواقع بما يخدم مصالحها، مرتبط أيضا بمنظومة القيم السائدة في المجتمع، قيم متجذرة ومترسخة ومكرسة لسلوك الانتهازية والريع ترى أن الفهلوة والذكاء والحذاقة: في الكسب المادي بأقل جهد وأقصر طريق وأوجز زمن، ولو على حساب الفضيلة والأخلاق والمبادئ. من هنا وجبت مساءلة الضمير، وارجاج الوازع القيمي والانخراط الواعي والمسؤول: الفاعل والمنفعل، المهتم والمهموم، المتماهي مع إكراهات وخضات ونتوءات العمل التربوي المعقد أصلا بشعبه ومساربه ومنعرجاته من حيث انه يخاطب العقل والجسم والوجدان وهي لعمري عوالم جبارة لا تكاد تنتهي الا لتبدأ، ولاتكاد تنجلي الا لتتعقد. فما بالك إذا اعتراها الارتجال والمزاجية والذاتية والتعفنية وغدا هذا العمل التربوي غابة يأكل كبيرها الصغير ويستعبد قويها الضعيف.

لا شك إذا في أن الإصلاح لن يتأتى فقط بتوفير البنى التحتية وتغيير الهندسة البيداغوجية والحكامة واللغات والإطار القانوني والمؤسساتي على أهمية هذه الإنجازات ومدى اقدارها على امداد الجسم التربوي بالصلابة والمتانة لكن الدور الأهم يتجلى في نفخ الروح في هذا الجسم ليحيا ويهنأ بالجودة المبتغاة. من هنا مشروعية السؤال لما يفرمل الاصلاح عند عتبة الفصل الدراسي ولا يتجاوزها  ويفرز هدا الكم اللامحدود من الإحباط و الفشل  ؟.كلنا مسؤولون ،كلنا مقصرون من الوزير الى الغفير بنسب تزيد وتنقص حسب المسؤولية وحسب السياق و حسب الموقع والموقف…ستتوالى النكسات وتستمر الإخفاقات مادامت الإصلاحات تقارب بهذه الرخاوة وقلة الحزم ،وما دام هناك تمثل سلبي اتجاه  المهنة في المخيال الشعبي ،و ما دام هناك تزعزع في الايمان بقدسية الرسالة المنوطة برجل التربية ،و مادام  هناك غمط لمستحقات فئات واسعة ،ومادام هناك  نية مبيته للإجهاز على عمومية التعليم خدمة لأجندات معينة. وما دام العنصر البشري مغيب الضمير ومنسلخ عن قيم العطاء والإخلاص والتفاني والاشعاع ومادام الاستهتار سيد الموقف في القرار والتخطيط والتنزيل والأجرأة والتفعيل والتقويم والعلاج والتتبع ومادام مهندسو التغيير وصانعو البرامج يعافونه لأنفسهم ويرضونه لباقي العموم من أجل ذلك ولأسباب أخرى سيبقى الأداء والمردودية والجودة والإشعاع وكل الجعجعة التي ثقبوا طبول أذاننا بها في حكم حتى يلج الجمل في سم الخياط، وستبقى دار لقمان على حالها الى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ان الإصلاح المزعوم الذي يطبل ويزمر له اليوم: الرؤية الاستراتيجية، والتدابير ذات الأولوية، والمنهاج المنقح، كما كل الإصلاحات المحتملة القادمة ما هي الا نوابض تمتص الصدمات وتحول دون انفجار الأوضاع الى ما لا يحمد عقباه، وستموت في مهدها خلية خلية بروية ومهل، كما سابقاتها لكن بكل تأكيد لن تخطئ الطريق نحو سلة المهملات. ثم مطارح النفايات، وليس من رأى كمن سمع.

 

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!