بمناسبة اليوم العالمي للمرأة: كل عام وأنت بألف حب.

0

بقلم ذ: ع الكريم دودوش 

 

مهداة إلى والدتي،

والدتي: التي ظللت وأنا في حضنها طفلا شقيا سعيدا مليئا بالحياة حتى إذا ما أسلمت الروح لبارئها شخت فجأة وشقيت أكثر ولم تعد تعني لي الحياة…:

إلى المرأة التي حبلت وتوجعت ووضعت وأرضعت ومرضت وربت وتحملت الصعاب من أجل أطفالها وكانت شمعة تضيء العتمة وتحترق كالعود وما يزيدها الاحراق الا طيبا. حتى إذا ما اشتد عود أبنائها وضحكت لهم الدنيا، خفت نور بصرها وخارت قواها، وخانتها الصحة، وأضحت لا تقوى على مواكبة إقبالهم على الحياة، واقتسام ملذاتها سويا.

لازلت أرى طيف أمي في المنام، أراها تحضنني فأقبل جبينها الوضاء. تستعطفني ألا أغادر فأعتذر بأن الواجب يناديني. تستحلفني بإفراغ كل الصحون من الطعام. تودعني بعيون تحجرت دموعها في المآقي، لتنهمر تأثرا عيناي مدرارا وأعدها بالعودة مساء. وهكذا تدور الأيام. أراها كل يوم وكل نوم وأعاني، أعاني…

يبدو أن التحيين مستعص في الأحلام، أكيد لأنها متربعة عرش الفؤاد في قرار مكين.

☻ نسجل وقفة إجلال وإكبار، احتراما للمرأة، وليس احتراما ليومها العالمي، فهو لا يعدو أن يكون محطة زمنية للاعتراف، لاسيما وأنه غدا اليوم، نوعا من البروتوكول والعادة الموسمية بل أصبح روتين احتفال يهتم بالجانب الشكلي

( هذا إن اهتمت جهة وقليل هم المهتمون) حيث تقام حفلات الشاي الباهتة وتوزع بعض الورود الذابلة بدون عطر ولارائحة وبعض الشكولاتة البخسة ، أصبحت الذكرى عادة وروتينا سنويا دخيلا على ثقافتنا وهدينا يشوبه من الشوائب ما يفرغها -إن قبلنا بها كمناسبة عرفان و امتنان في حق المرأة – من مغزاها دون أن يجعل منها منعطفا ينقلب انقلابا على وضعها المزري وصورتها القاتمة ويرسم لها طريقا جديدة تمكنها من حقها وتنصفها داخل مجتمع ذكوري محتكر بامتياز مستفرد بالقيادة والريادة مؤولا القوامة على مقاسه أينما وجدت ضالة مصلحته فهو أهلها.

صحيح أن طقوس الاحتفال دخيلة على ثقافتنا وتراتنا لكني أعتبرها سنة حميدة نغتنم فرصتها لنرفع القبعة ونحني إجلالا للمرأة في جميع ربوع العالم، في وطننا العربي وخاصة في بلدنا المغرب: لكونها أولا، صمام الأمان والمحرك والقلب النابض الساهر على تحقيق أصغر التفاصيل التي تهم حياة كل واحد فينا.

ثم ثانيا للأشواط البعيدة التي قطعتها مناضلة ومجاهدة ومكافحة حيث أصبحت ندا للرجل في كافة مناحي الحياة بل وحتى شريكا اقتصاديا لا محيد عنه داخل الأسرة الصغيرة، تقتسم معه العرق وكلفة الخبز وضغط الحياة.

ونحن أيضا انتماء منا لأسرة التعليم الكادحة ننبش في تضاريس هذا الكائن المعذب وما تكابده نساؤنا في القطاع وما يعانينه، ليحضرني، منظر النساء البائسات في البؤر المنسية والمجلية، في الجحور والمداشر المقعرة والمحدبة، المعلقة بين السحاب الثقال بقمم الجبال، والوديان، في الفيافي والقفار، حيث قدر لها أن تعمل وتشقى من أجل كسرة رغيف ممرغة في وحل الشقاء والضنك والقلق وانعدام السلم الداخلي.

مناسبة يحضرني فيها منظرهن أيضا في هوامش المدن المليونية الكبيرة، يخرجن باكرا فجرا للعمل ليستقلن الدراجات النارية الثلاثية، أو يتسلقن تسلقا ما تيسر من وسائل نقل مزدوجة الصالحة للإنسان كما الحيوان دون أن تكون صالحة لأي واحد منهما، وفي أحسن الحوال يزدحمن في حافلات، قندهارية، مهترئة، مختلطة، مع “صفوة “من المجرمين والمشبوهين و المسجلين خطر..

نحيي القابضات على الجمر من نساء التعليم ونرفع لهن القبعة لصبرهن واصطبارهن في معمعة الحياة الملتهبة.

☻ صحيح أن ما يبدو كمشهد عام يجعلنا ننخدع بفعل مساحيق التجميل وبوتكس النفخ اللذان تجتهد الآلة الإعلامية الجهنمية المقيتة في ترسيخه في الأذهان لدى المتلقي، لكن سرعان ما يتلاشى هذا الماكياج لينكشف الوجه الحقيقي للمرأة في مجتمعاتنا ويظهر ممتقعا بحزن وشقاء عميقين وليتضح أن القبح موغل فيها وأن ما أبهرنا به في الشاشات المختلفة، لا يمكن أن يكون بهذه الجاذبية إلا عبر (فيلتر) قنوات التعتيم والتزوير والتمويه وأنه مجرد جزر وجاهة وإغراء متناثرة في محيط من البؤس والظلم الذي عاشته وتعيشه كثير من النساء في عالمنا العربي، وإليه يرجع الفضل في تخريج رائدات المؤسسات “العليا” والمدارس العصرية “الراقية” من قبيل التيك توك وروتيني اليومي والانستغرام.. والتي أصبحت تسولا صريحا عبر الشاشات إذا لم تتحول في كثير من الأحيان إلى دعارة رقمية بامتياز.

البلاد العربية أسوأ نقطة بلا منازع يمكن أن تعيش فيها المرأة، بلادنا العربية مرتع حقا لما تشقاه المرأة من حط لكرامتها وتشييء لشخصها وغمط لحقوقها وقرصنة لسنوات خدمتها لصالح المجتمع.

أجل، لطالما طغى الرجل العربي وفرض وصاية تطمس شخصية المرأة وكيف القوانين والأنظمة لصالح ممارسات تنتصر لسطوته وفحولته وجبروته وهي ممارسات، أقدر أنها -علاوة على عامل التدين الأشول والتقاليد البالية، تدخل في سياق ميكانيزم نفسي مرضي للتعويض بسبب النقص الغائر فيه كالجرح، ونتيجة اضطرابات العيش في دول لا ديمقراطية متخلفة محتربة تعيش غليان المشاكل الداخلية وضغط الإمبريالية والاستعمار الذي خرج من الباب ودخل من النافذة.

فحتى وقت قريب، كانت النساء في السعودية محرومات من أبسط الحقوق وهو الحق في السياقة وعاشت تضييقا عليها في مختلف وجوه الحياة. اما في اليمن وفي مصر فمازالت مظاهر زواج القاصرات والختان متفشية معلنة على عفونة وتخلف فكر مجتمع بائد، وفي العراق لازالت النساء يعانين من تبعات الغزو الامريكي من اغتصاب، وعنف أسري، وأمية، وطائفية ولعلكم تتابعون عبر وسائل الإعلام ما قاست المرأة السورية الى حدود قريبة، أثناء الحرب، من عذابات ومآسي وتنكيل وتهجير وتقتيل. والأنكى من ذلك منظرهن في مقتبل العمر في شوارعنا متسولات أبواب المساجد والطرقات ومفترشات الأرض ومتلحفات السماء أصبح عاديا ومن نافلة المشاهد.

أما في المغرب العميق فالنساء لازلن يحطبن على ظهورهن القناطر من العيدان بحثا عن التدفئة لجسم مقرور قاطعين المسافات الطوال متلحفين بما تيسر من خرد وأسمال بالية ولازلن يلدن في الازقة والشوارع بعد أن ينقلن على الدواب والمحامل لصعوبة المسالك نحو “الحضارة”. ولا زلن أميات يرضعن أبنائهن الجهل والتخلف، لازلن في المواقف يتسولن خدمة يسددن من خلالها رمق أيتام جوعى في البيت، لازلن يمارسن الدعارة المقنعة والصريحة بحثا عن لقمة العيش بعد أن انسدت جميع الأبواب في وجوههن. لازالت كرامتهن تمرغ في التراب من خلال خروجهن للعمل باكرا جدا غير أمنات على أنفسهن من مجرمي أواخر الليل وبدايات الصباح… لا زلنا يتعرضن لاستفزاز زميل العمل وتحرش الرئيس وعنف الزوج والنظرة الدونية في الشارع. لازلت نظرات الاحتقار والامتهان والشبق تعريهن خجلا وهن مارات في الملأ.

لازال منظر المشردات نائمات في العراء معرضات للاغتصاب. ومنظر المختلات الحوامل في الأزقة والشارع تشيب لهما الولدان، منظر مقزز يهوي بنا سحيقا في قعر غير مصنف في الدرك الأسفل من الحيوانية.

كما، لازلن ضحايا معاملة منطق ذكوري في البيت من طرف الاخ والزوج بإرغامهن على تغطية جميع الخدمات والسخرة المنزلية قسرا وقهرا باسم التقاليد والاعراف البالية المتوارثة والمستمدة من مجتمع أبيسي بائد يعافه العالم اليوم ولازالت آثاره وتداعياته سارية المفعول.

كما ان استمرار ظواهر مثل تشغيل القاصرات وتعنيف الخادمات وهضم حقوق العاملات واستغلالهن بأثمنة بخسة وارتفاع نسبة المشردات في الشوارع وما يتعرضن له من استغلال بجميع أصنافه لكفيل بأن يجعلنا نخجل من أنفسنا ونحن ندعي أن المرأة في مجتمعنا بخير ترفل في نعم التحرر والاستقلال من خلال اعلام مزور افاق يسوق لنماذج استثنائية ورهين بأجندات معينة غايته أن يُشرب المتلقي سما في كؤوس من ذهب .

هي صورة واقع المرأة المرير بالأرقام وبالدليل القاطع في كل البلدان العربية، رغم ما ينثر هنا وهناك من ادعاءات وأطروحات وأراجيف حول التطور في الحقوق والمساواة. واقع قاتم باعتراف العالم وبالتقارير الدولية التي لا غبار على مصداقيتها وبدليل حتى الصور والوضعيات المشينة في حقها التي تتسرب من هنا وهناك وتتقاذفها الأيادي عبر الموبايلات في ظل الزخم والتدفق الهائل للموارد في زمن الرقمنة الفاضح.

المرأة عبر العالم، ظلت طيلة عقود من الزمن تقدم نفسها قربانا لحرية وتطور بلادها وأبلت البلاء الحسن في شتى المجالات وضحت وصبرت واصطبرت وحان وقت جني قطاف نضالها ولم يعد الوقت صالحا لغمطها حقا من حقوقها أو حيفا نمارسه عليه أو تبخيسا في مشاركتها المجتمعية أو إنقاصا من وضعها وإسهامها الاقتصادي.

ولعمري إن تسليط بقعة ضوء على هذه المآسي يفرض نفسه في مثل هذه المناسبات أكثر من حفلات الشاي والحلويات والأجواء النفاقية الكاذبة لنذربه الرماد بالعيون ولنواري به سوأة نظامنا الذكوري الأرعن المتسلط.

رغم هذا كله نتقدم بالتهنئة ونقف وقفة إجلال وإكبارا. نقف مشدوهين لصبرها، مهنئين، ومباركين لها هذا اليوم الأغر ومتمنيين لها مزيدا من التألق والإشعاع وخاصة مزيدا من الانتصارات في معركة رد الاعتبار ونيل الكرامة والاصطفاف إلى جنب الرجل لخدمة الوطن

نهنئ جميع الفئات لا نستثني أحدا “ماعدا خريجات المعاهد العليا سالفة الذكر” –

الفتاة والأخت والأم والزوجة والخالة والعمة. الطالبة التي اقتحمت ساحة الوغى وتمنطقت بسلاح العلم لمواجهة ردى الجهل بشجاعة. الموظفة التي استيقظت فجرا وأعدت الطعام لأسرتها واطمأنت عليهم قبل ان تغادر مسرعة الى العمل. المدرسة التي تقطع الكيلومترات متنقلة عبر المحطات في مركبات مهترئة مليئة بالمنحرفين واللصوص لتصل الى مدرستها منهكة مقتولة لمواجهة عشرات التلاميذ في فصل مكتظ يستفرغها من كل طاقة وحياة. الطبيبة والمهندسة والمحامية بانيات مجد الامة. الشابة التي تعمل في بيت أهلها لخدمة إخوتها. الأم/المطلقة التي تعمل في بيوت الناس لتكسب من عرق جبينها وتحصن فرجها ما يسد رمق أفواه اليتم الشاغرة. الزوجة التي تقدم لزوجها كل ما يشعره بالراحة والأمان. إلى المرأة الصالحة التي تصلي اوقاتها وتتقي الله حق تقاته. المرأة تشقى فوق البسيطة ليسعد الرجل

إليكن جميعا أقول…عيد سعيد وعمر مديد وكل عام وأنتن بألف خير.

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

error: Content is protected !!