تراب المغرب التاريخي ..المغرب في مواجهة اسبانيا

0

الصحراء سكوب: الاستاذ سعيد توبير 

من أهم الدروس البيداغوجية المستفادة من “المنهج التاريخاني” الذي اشتهر به المؤرخ و المثقف المغربي ” عبد الله العروي” : هو أننا لا نستطيع فهم حقيقة ” الراهن المغربي” اجتماعيا و سياسيا و اقتصاديا، دون العودة الى دراسة الجذور التي غالبا ما تكون عميقة و متشابكة. و يقصد بذلك أن ما نعانيه اليوم من مفارقات _(غياب الثقافة الديمقراطية، صعوبة ربط التنمية المستدامة بتجديد النموذج التربوي، و اقدار الاقتصاد الوطني على تنافسية التجارة الدولية، واستكمال وحدته الترابية للتفرغ لتحديات تطوير البحث العلمي و التفاعل الواعي مع تأثيرات فورة الرقميات و مكتسبات الذكاء الصناعي، و الاستجابة العقلانية و الاستراتيجية للقضايا الحارقة اجتماعيا و اقتصاديا وتربويا) _، له علاقة مباشرة بظاهرة بالاستعمار” أو ما يسميه هو في تحليلاته ب “التدخل الاجنبي”.
وعليه فان الاطروحة الرئيسة الذي نسعى الى المرافعة عليها تتأطر ضمن افق “ثقافة وطنية جديدة” يستدعيها الاستشعار السياسي و الثقافي الحادين باستهداف المغرب في كفاحه من أجل النهوض الشامل و السيادة الكاملة على ترابه التاريخي. وبالتالي ترتد هذه ” الأخيرة” تلقائيا الى اعادة القراءة و النبش في تاريخ مقاومة المغاربة للخطر الاجنبي الذي ارتبط بالمد الايبري خلال القرن الخامس عشر و ما قبل و ما بعد الاحتلال المزدوج ” الفرنسي – الاسباني”. و بالتالي تجد نفسها ” الوطنية الجديدة” حريصة على التعبئة الجماعية الممنهجة اعتمادا على وثائق و نصوص تاريخية لشحذ همم الرأي العام لصالح قضايا الوحدة الترابية، و التفاني في حماية حدود البلاد و اعلاء شأن السيادة الوطنية و الثقافة المشتركة و الافتخار بماضي الحضور المغربي العربي الاسلامي في العصر الوسيط في اسبانيا عمرانيا، علميا، فنيا، ادبيا و فلسفيا .
وفي هذا السياق يعتبر صاحب ” الأصول الاجتماعية و الثقافية للحركة الوطنية 1830.1912″ أنه علينا نحن “المغاربة” ان نتصرف كسكان جزيرة “مطوقة” بحيث لا يمكن ان ننفي الجغرافيا. بدليل ان رسم خريطة المغرب 1956حسب موقف الزعيم “علال الفاسي” فور عودته من المنفى لا يضم سوى خمس “تراب المغرب التاريخي” مع اقتطاع غير مسبوق في تاريخ المغرب القريب لكل من تندوف/ توات/ تيديكلت/ الساقية الحمراء/ شنقيط و طبعا سبتة و مليلية و الجزر الجعفرية. وعليه فإن روح ” الوطنية الجديدة” تلتصق جذريا بالمتابعة الدقيقة لتفاعلات ملف ” الصحراء المغربية” اقليميا و دوليا ووطنيا، و الذي خفث حضوره في تحليلات و اهتمامات أغلب المثقفين و الفاعلين السياسيين في السنوات الاخيرة.
في حين لاحظنا أنه منذ اعتلاء العاهل المغربي عرش المملكة بدأت الخطوط الاستراتيجية للديبلوماسية المغربية تجنح نحو الاصلاح العميق و التصويب المنهجي لمقاربة قضية الوحدة الترابية “الصحراء المغربية”، و التي اعطت لها نفسا جديدا بالارتكاز على عدد من الاولويات ضمن استراتيجية واضحة المعالم، من شأنها إعادة رسم الطريق السياسي الجديد. و بالتالي شكل اقتراح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي وقابل للتطبيق اولى اولويات المقاربة الجديدة، ما أدى بالإدارة الأمريكية إلى دعم المغرب ودفع بالأمم المتحدة إلى إقحام الجزائر وموريتانيا في المفاوضات، بعد أن كانت تروج لأطروحة كاذبة مفادها أن الجزائر هي فقط حاضنة للاجئين وليست طرفا في النزاع.
و أما اليوم فإن المتغير الذي تحكمه مقتضيات فتوحات عودة المغرب الى “بيته الافريقي”، بناء على شراكات اقتصادية واقعية و برامج اجتماعية عملية و تربوية مع عدد من الدول الافريقية الصديقة. قد أدى في النهاية الى اعتراف الادارة الامريكية بمغربية الصحراء، اعتراف أربك تحالفات عدد من الدول الاوربية في علاقاتها بالجزائر، واصبحت لا تستطيع اخفاء عدوانيتها اتجاه المغرب. هكذا يجد الراهن المغربي نفسه في مواجهة تهديدات الجوار الجغرافي والسياسي، و تبين ان الاعتراف الامريكي بمغربية الصحراء قد كشف حقيقة “اسبانيا” العدوانية و الاستعمارية.
تؤكد الوقائع على ارض الواقع أن اسبانيا لم تعد قادرة على اخفاء عدائها للمغرب عندما تستقبل زعيم البوليساريو بلا حشمة تاريخية أو حياء سياسي جغرافي، في استفزاز سافر لمشاعر مغرب “المسيرة الخضراء “. و في هذا السياق العدائي اتجاه استكمال المغرب لوحدته الترابية تذهب صحيفة “الباييس” في أحد مقالاتها البئيسة، إلى أن السبب الحقيقي وراء الأزمة هو رغبة الرباط في دفع إسبانيا إلى تبني موقف واضح في نزاع الصحراء بدعم الحكم الذاتي. و الحال هو أن المغرب قد عبر بشكل رسمي عن أسفه لموقف إسبانيا التي استضافت على ترابها إبراهيم غالي، المتهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ويراهن الإسبان على تهدئة الوضع مع المغرب، خصوصا بعد فشل مساعي إقناع الإدارة الأمريكية بالتراجع عن الاعتراف بمغربية الصحراء وكذا غياب الإدانة الملموسة أوروبيا لموجة الهجرة غير الشرعية صوب سبتة.
تقتضي فلسفة “الوطنية الجديدة” باعتبارها وعيا تاريخيا بأهمية الحرية و المساواة و الاستقرار و التعاون. وبدل التصعيد و لغة العداء و الصراع ندعو النخب السياسية الاسبانية الى لغة الحوار و التفاوض على قاعدة الندية و تكافؤ الفرص و التنافس الرشيق. بحيث تثبت التجربة ان هناك من القواسم المشتركة بين البلدين لا يمكن اقصاؤها في أي تحليل. ذلك ان التجاور الجغرافي هو حتمية فيزيائية لا يمكن الا ان تكون من عوامل خلق مساحات الحوار و الاتفاق و التفاوض حول المصالح المشتركة، كما ان التجربة التاريخية العربية الاسلامية في الاندلس العربي قد يشكل فرصة تاريخية لاغلاق صفحات احداث الماضي المأساوية و الجنوح نحو الشراكة العادلة و التقارب بين الشعبين . الواقع هو أن المغرب لن يتخلى على وحدته المركزية و سيظل شوكة في حلق الاطماع الاستعمارية القديمة و الحديثة. اليس من حقه ان يستعيد ترابه التاريخي؟ ، اذ المغرب اخر دولة استعمرت و اول دولة استقلت في الشمال الافريقي. و غني عن التعريف شراسته في المقاومة لكل انواع التدخل الاجنبي اكان اسبانيا ام فرنسيا.
على النخب السياسية و المتتبعين الاسبان للشأن المغربي ان يغيروا نظرتهم العامة الى مستقبل المغرب ، على اساس ان ازمنة الهيمنة و الاستعمار قد ولت. و ان المغرب تمتع بالسيادة السياسية مبكرا في ترابه التاريخي دون الترامي على ارض الجيران. عليها ان تساعد المغرب على استرجاع ترابه التاريخي الشرعي و القانوني لخلق امكانيات التعاطي الايجابي مع مشاكل الهجرة و التهريب و الارهاب. مع الوعي بان المغرب قادر على تغيير شركائه الاستراتيجين و اسواقه التجارية بحكم الارادة الوطنية الواعية بمصالح الامة و مستقبلها في احترام تام للقيم الدولية و الكونية.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.