دور حماية حقوق الإنسان في تحقيق التنمية والإقلاع الاقتصادي

0

الصحراء سكوب: عمر الراجي / باحث في الاقتصاد التطبيقي

 

لقد جاء إعلان الحق في التنمية سنة 1986 ليقطع بشكل تام مع ماض كانت فيه المطالبة باحترام حقوق الإنسان مرتبطة بشكل مباشر بالاستقطاب السياسي الحاصل في العالم بين المعسكرين الشرقي والغربي إبان الحرب الباردة، حيث لعبت ورقة حقوق الإنسان دورا بارزا في تلك المواجهة، واقتصرت المطالبة باحترامها على الحقوق السياسية أكثر من غيرها، بينما غابت حقوق الشعوب في التنمية والعيش الكريم وحقوق الأجيال القادمة في تنمية مستدامة تكفل لهم فرص العيش مستقبلا.

هذا الإعلان العالمي للحق في التنمية عُرّف حينها، بكونه مسارا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا شاملا يهدف الى النهوض التدريجي بمستوى رفاهية الناس اعتمادا على مشاركتهم الفعلية والحقيقية الحرة.

لم تعد التنمية مطلبا شعبيا كما كانت في السابق بل أصبحت بموجب هذا الإعلان حقا لكل البشر، لذا فإن موافقة الدول النامية على مضامين هذا الإعلان تعني أنها أصبحت مسؤولة أمام شعوبها عن تحقيق التنمية والقيام بكل ما من شأنه المساعدة على إنجازها وتطوير مستواها من إجراءات واصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية.

كما أن موافقة الدول المتقدمة والغنية من جانبها على هذا الإعلان تعني أنها مسؤولة أمام العالم والمنظمات الدولية المعنية عن مساعدة الدول الأكثر فقرا وتلك التي مازالت سائرة في طريق النمو على تحقيق الإقلاع الاقتصادي المرجو، كما أنها مسؤولة عن مدها بالوسائل المادية والمعرفية والخبرات اللازمة لإنجاز مشروعها التنموي على أرض الواقع حمايةً لحق الشعوب عبر العالم في ضمان مستوى عيش أفضل للأفراد والجماعات.

ولا شك أن الديمقراطية هي الأخرى ارتبطت بالتنمية في هذا الخضم، وأصبحت ممارستها مرتبطة ارتباطا تاما بتمتع الناس ببقية الحقوق وعلى رأسها الحق في التنمية كما صرح بذلك أمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي عنان في مؤتمر الألفية حيث أكد على أن القانون الدولي أصبح يربط ربطا تاما بين مفاهيم حقوق الانسان والديمقراطية والتنمية متجاوزا بذلك كل الثغرات السابقة في هذا السياق.

ولا شك أن مجموعة من الحقوق التي يتضمنها الإعلان العالمي لحقوق الانسان أكدت وما زالت تؤكد مدى الارتباط الوثيق والتوازي التام في الأهمية والتلازم المتبادل بين حقوق الانسان ومفهوم التنمية، وهنا يمكننا أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الحق في السكن والحق في العلاج والحق في التعليم والحق في العمل والحق في الحصول على السلع الأساسية والعامة والحق في الراحة وفي وقت الفراغ والحق في حياة كريمة، وكلها حقوق اجتماعية واقتصادية تصب في اتجاه التنمية مما يعطي هذه الأخيرة طابعا إنسانيا مباشرا بل ويشكل عامل تحفيز مباشر لها وسببا في تسارع وتيرتها ذلك أن العملية الإنتاجية ترتكز أساسا على العنصر البشري، ولا شك أن خدمة هذا العنصر واحترام حقوقه تشكل الطريق الأسرع نحو الرفع من مستوى أدائه الإنتاجي ومن ثم الاقتصادي، كما أن التنمية بدورها خلقت النموذج والسبيل المباشر والغاية الكبرى من وراء الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا كانت الاستفادة بين المفهومين متبادلة بحيث أن كل مفهوم خدم الآخر بنفس القدر.

ومن المصطلحات الجديدة التي ظهرت مؤكدة على العلاقة الوثيقة بين حقوق الانسان والتنمية مصطلحات اجتماعية ومؤشرات اقتصادية كثيرة أصبحت اليوم من أهم معايير قياس التقدم في العالم ونذكر من بينها:

  • التنمية البشرية le développement humain: لقد جاء مفهوم التنمية البشرية ليزاحم معدل النمو للناتج الداخلي الخام كمعيار اقتصادي وحيد لدراسة مدى الإقلاع الاقتصادي في بلد ما، والواقع أن التنمية البشرية كمفهوم كرّست دور الانسان كوسيلة وكغاية في نفس الوقت لأي اقلاع اقتصادي من الممكن خلقه في المستقبل، وقد ربط الإعلان العالمي للحق في التنمية في هذا الجانب بين التنمية والمشاركة الشعبية كمتلازمة لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر، والواقع أن من يضمن المشاركة الشعبية في أي بلد هي الديمقراطية كنموذج حياة إنسانية مدنية متقدمة، ومن هنا يظهر مدى التلازم والترابط الإيجابي الوثيق بين التنمية وبين الديمقراطية ومن ثمَّ بين التنمية وحقوق الانسان في منظورها العام والشامل.

 

  • التنمية المستدامةle développement durable: وتعني احترام حق الأجيال القادمة في تحقيق التنمية وضمان فرص عيشها الكريم في المستقبل، ومن هنا تبرز أهمية مجموعة من الإجراءات التي تروم ترشيد استغلال الموارد الطبيعية وضبط العلاقة المباشرة بين الانسان كمستغل ومستثمر وبين الطبيعة كمجال حيوي من حق الجميع الاستفادة من خيراته حاضرا ومستقبلا، كما أصبح من المهم أن تنفتح حقوق الانسان على قضايا جديدة غاية في الأهمية كالتوازن البيئي ومخاطر التلوث وقضايا الانحباس الحراري والمخاطر النووية والتحكم في الثورة التكنولوجية التي بات يشهدها العالم، وهي القضايا التي مازالت قيد الدراسة والنقاش بين كل الدول لاسيما تلك التي تتحكم في المنظومة الصناعية العالمية، غير أن القوانين الجزرية والتي من شأنها أن تُلزم الدول باحترام هذه القواعد، ما تزال محط انتقاد الكثير من المراقبين في ظل استمرار التلوث وتفاقم المخاطر البيئية واختلال التوازن الحيوي والإحيائي داخل المجالات الطبيعية وتعاظم الخطر النووي.

 

عَرَّف العالم الاقتصادي الكبير والحائز على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية الهندي أمارتيا سين Amartya Sen الاقتصاد بكونه علما أخلاقيا بالدرجة الأولى، مشيرا إلى أن التنمية هي سيرورة ومسار من خلاله تتطور الحريات الحقيقية للأفراد «Le développement c’est le processus par lequel les libertés réels des personnes s’accroissent.»

أمارتيا سين هو أحد الباحثين الذين رفضوا أن يكون التطور الاقتصادي محددا بمعدل نمو الناتج الداخلي الخام للفرد، مؤكدا أنه أحد المؤشرات وليس مؤشرا وحيدا يمكن الاعتماد عليه حصرا لقياس التقدم، وقد وضع في المقابل عدة معايير أخرى وجب استحضارها في هذا السياق، كمستوى التعليم ومستوى قطاع الصحة وتوفر الأمن واحترام الحريات السياسية والاجتماعية، وقد أوضحت عدة أمثلة استشهد بها في هذا الجانب من بينها الولايات المتحدة، مدى التناقض الصارخ بين مستوى الناتج الداخلي الخام المرتفع، وبين حجم التمتع بخدمات قطاعي الصحة والتعليم والحماية الجسدية وأمد الحياة، بحيث ظلت شريحة واسعة من المجتمع الأمريكي محرومة منه طوال فترة التمييز العنصري في البلاد، بينما تبدو دول أخرى كالدول الإسكندنافية بحجم متوسط إلى جيد نسبيا للناتج الداخلي الخام دولا متقدمة للغاية نتيجة لما توفره من خدمات اجتماعية لكل المواطنين تقريبا بالتساوي محترمة في ذلك قيم العدالة الاجتماعية والمساواة والتوزيع المتوازن للثروات.

ومن أكثر المفاهيم التي عالجها الاقتصادي أمارتيا سين في مشروعه البحثي الاقتصادي الطويل، هو مفهوم تعدد أبعاد السلوك العقلاني للإنسان «le multi-dimensionnalité du comportement rationnel de l’homme»

وقد أوضح في هذا السياق أنه لا يمكن بناء اختيار سلوكي نموذجي جماعي من خلال تلبية كل الاختيارات الذوقية للأفراد، بل ينبغي تجاوز هذه النظرية الكلاسيكية للميكرو اقتصاد في التعاطي مع مفهوم الاختيار العقلاني« le choix rationnel »والذي  ظل يكرس المنافع الفردية، ببناء نظرية أخرى قائمة على تعزيز دور المكونات المحورية  داخل السلوك البشري الفطري “كقيم الرحمة، والمعيارية، والتعاون والتضامن” من أجل التأسيس لسلوك اجتماعي عقلاني يحترم الأذواق الفردية .« les préférences individuelles »

هذا التعدد في الأبعاد أحدث اهتماما بالغا بقضايا اجتماعية دولية غاية في الأهمية كالجوع والفقر والحريات ووضعية المرأة والنمو الاقتصادي وتوزيع الثروات من خلال دراستها وإيجاد الوسائل الفعالة للتعامل معها، وهو ما ترتب عنه إحداث برنامج الأمم المتحدة للإنماء والذي كان أمارتيا سين أحد مؤسسيه البارزين.

وبالنسبة للحالة المغربية، فمنذ أن حصل المغرب على استقلاله عام 1956 وهو منخرط في مسلسل تنموي وإصلاحي طويل تجسد في رزمة كبيرة من المشاريع والأوراش الكبرى والاختيارات البنيوية العميقة التي دخل فيها البلد بإرادة سياسية واضحة. ولقد كانت عناوينها البارزة في هذا الإطار الولوج الى اقتصاد السوق والانفتاح على التجارب الأخرى وتحرير التجارة والمبادلات الخارجية مع القوى الاقتصادية المؤثرة في العالم وبناء خطة اقتصادية مدروسة غايتها تعزيز فرص التنافسية وجلب الاستثمارات وترسيخ ثقافة المقاولة لدى الشباب، معتمدة في نفس الوقت على تثمين المنتوجات الفلاحية والسعي نحو تحسين مستوى أداء القطاع الأول مع الاتجاه تدريجيا نحو الرفع من مساهمة القطاعات الأخرى في الناتج الداخلي الخام، وعلى الرغم من كل هذه التوجهات إلا أن الاقتصاد المغربي ظل يعاني  مجموعة من الإكراهات والصعوبات التي فرضها الواقع الذاتي من جانب والتحديات الموضوعية المرتبطة بقواعد السوق الخارجية وصرامة معايير التنافسية بين الدول من جانب آخر، غير أن قسما كبيرا من عوائق التنمية في المغرب مرتبط أساسا بضعف احترام الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وجدّة التجربة المغربية في ترسيخ هذه الثقافة وهو ما يمكن أن نلمسه بجلاء في نقط عديدة منها على سبيل المثال:

  • ضعف التعليم.
  • التراجع الذي عرفه مسلسل تعزيز الحريات في البلاد.
  • ضعف مؤشر الحكامة في التسيير «indice de gouvernance».
  • نسبية مشاركة المرأة والشباب في العمل السياسي.
  • إشكالات حقيقية في مسار تحقيق مبدأ المشاركة الشعبية.
  • تفشي الفقر والهشاشة في الأوساط الشعبية والقروية.
  • بطء وتيرة الانتقال الديمقراطي رغم كل المحاولات.
  • تراكم الديون الخارجية ومحدودية الخيار الاقتصادي والاجتماعي المستقل.

كل هذه العناصر والمؤشرات تؤكد من جديد على أن الحالة المغربية تؤسس هي الأخرى من معطياتها السوسيو اقتصادية لعلاقة حقيقية قائمة بين التنمية وحقوق الانسان،وهو الأمر الذي يفرض على المهتمين وأصحاب القرار الالتفات العاجل لهذا الملف بغية العمل على خطة بنيوية بعيدة المدى تجعل من العنصر البشري أساس كل تنمية منتظرة، ليكون بذلك ترسيخ مبدأ احترام حقوق الانسان رافدا أساسيا من روافد التطور والبناء في الحاضر والمستقبل.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!