قطاع التربية و التكوين : المتعاقد بين الجزر والزجر

0

بقلم : ذ .ع الكريم دودوش

لن يختلف اثنان أن الإنسان حين يبلغ مرحلة الرشد والنضج، وتتاح له إمكانية حيازة وظيفة معينة بانه يختار وظيفته وفقا لميوله وقدراته وملكاته، ويستقر في اختصاص معين وفق ما تفوق فيه عبر مختلف الاستحقاقات التي خضع لها بعد الترشح لتلكم الوظيفة، من خلال سيرورة مهنية يتقلب خلالها عبر مختلف المناصب والمراتب، وعلى ضوء التراكمات التي يحصدها والبناء على الترصيد الذي يمارسه في مسيرته صعودا، تحقيقا للإشباع الذي ينشده وهو يتسلق مختلف درجات السلم مشرئبا بعنقه إلى أعلى المراقي. كل ذلك بالتحفيز الذاتي والمهني، المادي والمعنوي، الذي يجعله يحقق مختلف أحلامه وطموحاته ليصل إلى أعلى قمة الهرم حيث تحقيق الذات.

 هذا وقد أشارت الوقائع إلى حادثة سير مريعة حدثت بين قرار للسلطات المغربية في شخص منظومتها التعليمية باعتماد نظام التعاقد و هرم ماسلو الذي يلخص نظرية الحاجات المتسلسلة بدءا من الحاجات االصحية أو الفسيولوجية أو العضوية وصولا إلى تحقيق الذات، هذه السياسة والتي كانت تطبخ على نار هادئة مند عقود، أي  مند زمان كان الاقتصاد المغربي قريبا من السكتة القلبية في غضون الثمانينيات، حيث اعتمد المغرب نظام التقويم الهيكلي خضوعا وخنوعا وانبطاحا أمام الإملاءات البنكية الدولية ،حيث أن تفاقم الوضع كان بمثابة كرة ثلج أسفرت على تمرير قرار مارس القتل البطيء على الوظيفة العمومية ثم النحر من الوريد إلى الوريد من طرف من تسلموا مفاتيح القيادة، والذين كان همهم الوحيد هو كتابة مرورهم، ولم لا خلودهم في كرسي الزعامة ولوعلي حساب ناخبيهم ممن باعوا لهم الوهم باسم الدين وباسم القضاء على الفساد وباسم نحن نخاف الله. ومن أجل أن، تمرر سياسات لم تجرؤ حكومات قبل هاته على تمريرها، عبر تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال بل رشحت نفسها بأن تكون هي المشرط الذي سيقوم بعملية قلب مفتوح من أجل إنقاد ما يمكن إنقاذه ووقف نزيف الميزانيات العمومية التي -يا حرام- ستهدد أمن دائرة الأسياد والمحظوظين وطغم الريع،  وتم اعتماد التعاقدات في توظيف هذا الكم الهائل من خريجي الجامعات والمعاهد والمدارس العليا والذين ذاقوا مر الحاجة والفاقة والعطالة، ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوة، مما جعلهم يعتبرون هذه الفرصة مكسبا وترفا بعدما كادوا يفقدون الأمل في العودة إلى الحياة، وتنفسوا الصعداء بتلمسهم بصيص ضوء في أخر النفق، مما كان لزاما معه ان يقتنعوا  بأنه بهذا الإجراء ستلوح في الأفق معالم حياة كريمة، حيث سيؤمن الخبز  والدواء والمأوى والأكسجين وهي الحاجات الأساسية في أول محطة من محطات سلم ماسلو: أضعف الإيمان لكي يبقى الإنسان على قيد الحياة أو على قيد الكرامة. لكن واقع الحال في المغرب باح بكل أسراره وليست واقعة طرد بعض المتعاقدين حديثا -بمختلف المديريات- ببعيد ونحن نتهجى أولى خطواتنا في هذا لنظام، حيث مزاجية المسؤولين ونزواتهم وحساباتهم الضيقة وشخصنتهم للنزاعات، واستحضارهم للانتماءات القبلية، والحساسيات السياسية والنقابية والمصلحية، تجعل من هرم ماسلو هرما مبتورا ومشروخا، كيف لا ونظام التعاقدات سيفرز ملمحا وظيفيا بمتلازمة الهلع، كيف لا ومصير المتعاقدين وضع بين أكف مسؤولين، سيتلاعبون حتما بأعصاب هذه الفئة؟ أمن حماية قانونية ضد الشطط والقرارات التعسفية، التي يمكن أن تنتجها الممارسة على المدى الطويل في ظل الاحتكاكات والاختلاف الوارد أصلا، والاصطدامات الروتينية؟ أليس درج ماسلو الذي يؤمن حاجة الأمن مغيبا أو مبتورا؟ كيف لهذا المتعاقد ان يضمن أمنه الوظيفي وهو مسكون بهاجس مقصلة الإقصاء التي يمكن أن تنزل على راسه من طرف رؤسائه على حين غرة وبجرة قلم؟ ولكم أن تتساءلوا عن هامش الإبداع والابتكار والإشعاع الذي سيتبقى لهذا لموظف من أجل الارتقاء في سلم الحاجات ليصل الى مرحلة تحقيق الذات؟ ربما نجح هذا النظام في الدول المتحضرة التي تحترم نفسها والتي تقدس مواطنيها فما بالك بموظفيها لتحفيزهم على العطاء والبذل وخدمة الوطن.

إنه التحفيز الذي يعد من أبسط وأنجع وأهم الأليات ووالميكانيزمات التي من شانها أن تزرع السعادة والرضا الوجداني في الممارسة المهنية وتذوب هامشا عظيما من معاناة وتعب العمل وترشح المرتفق بشتى أنوعه لأن يكون معطاء وأن يكون قابلا للترقي. إن المتعاقد خاصة في مثل السياق المغربي المعروف الذي أنتج هذا النظام، يكون بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى من ماضيه إلى ما يقوي إرادته ويمنحه الصبر لمقاومة المتاعب وينير بصيرته لمواجهة ما تبقى من حياته المهنية لاسيما وأن هذا الاختيار لا يلجأ إليه إلا من استنفد جميع الوسائل من أجل مكان  في وظيفة، استغرق منه عمرا طويلا وطاقة هائلة وهذا لا يتحقق إلا في حياة يسودها الأمن النفسي ولا مجال للشك في أن عدم اشباع الحاجة في الأمن، يشكل مصدرا للقلق، وعدم الارتياح، وانشغال الفكر، وتوقع الأسوأ، وترقب الحوادث، واستحضار الحسابات الضيقة ،من أحداث المستقبل ومن الأحداث السابقة، مما يقلص من فاعليته ونجاعته ويعمل على شل حركته ويصبح فريسة السلطة -بين قوسين- للرئيس الذي يمتلك زمام الأمور، وزمام تقرير المصير مما يعرض المتعاقد في كثير من الأحيان إلى المساومات والابتزاز، وهو يرى رئيسه يخاطبه بلغة التهديد والوعيد:) كل عين قبالتها أصبع قادر على فقئها(، )وكل اصابعكم بين أسناني أعضها متى ما خطر ببالي( ومن شتى ضروب الخطاب التهديدي السمج الذي سمعناه خلال مسارنا المهني. فالفرد الذي يفقد الإحساس بالأمن يبدو قلقا تجاه مواقف الحياة اليومية ويكون اقل قدرة على المبادأة والمرونة من غيره وأكثر قابلية للإيحاء وأكثر جمودا وحذرا وترددا فيستجيب للمواقف المزاجية والكانوية لبعض الرؤساء المظليين، وما اكثرهم مدفوعا ومستكينا وفق سلوك غير منظم وغير منطقي وكما  رأى روجرز أن الأساس النفسي في مجال الإبداع هو سلامة المبتكر النفسية.

إن على السلطات -وإن تفهمنا لجوئها بنهم وبشراهة إلى سن نظام التعاقدات- خاصة في مجال حيوي كقطاع التربية حيث يخاطب الجانب الرسالي في الفاعلين وتساءل ثنائية العقل والوجدان، حري بها أن تبرم تعاقدات صريحة ومسؤولة مع الرؤساء والمدبرين حتى لا تحز الاعناق مزيدا دون موجب شرع ،وحتى يسود الإنصاف والعدل في التحفيز سواسيا بين فعاليات المؤسسة التربوية وحضهم كذلك على تبني فلسفة تحفيزية متنوعة المقاربات وضعياتية حسب السياق والظروف والملابسات دون تمييز ولا تفريق بين متعاقد وغير متعاقد، إذا فعلا كنا نريد وننشد الجودة والمردودية وتحقيق التغيير الحقيقي الذي هرمنا بحثا عليه ونشدا.

أن المتعاقد وهو يغادر منطقة الظل وزنزانة العطالة ردحا من الزمن وما خلفته من تقيحات وأثار كلفته وتكلفه من جيب صحته النفسية والجسدية ليستحق أن يعيش فترة نقاهة حياتية يسترجع فيها بعض أنفاسه المترددة من فرط عدوه وجريه وراء سراب لقمة عيش هنية، فلا داعي أن نعبث بأمنه النفسي ونوكل مهمة الاشراف عليه لسادية بعض المدبرين بمنطق الرئاسة والزعامة والسلطة المستلهمة من عهد الرصاص وما خلفته في النفوس من كدمات وجراح لم تندمل إلى الأن. ولكي نخاطب مكامن الابداع لدى هذه الفئة المغبونة من مواطنينا ونرمم هرم ماسلو في طبقته المتصلة بالأمن النفسي والخوف على الوظيفة وعلى الدخل -رغم شدة تواضعه- وعلى مستقبل الأبناء، يجب اتخاذ إجراءات صارمة رسمية ومتخللة لبنود العقود تحث المدبرين على توفير الشعور بالأمن وتحذيرهم من مغبة العبث بمصائر العباد لأنه فعلا ما سيجعل المتعاقد يشعر بالسعادة وبالرضا المهني ويجنب الانسحاب الوجداني والمضضية، وسيعمل على تحقيق عملية التكيف والتوافق وبالتالي سيؤدي  حتما الى بلوغ مرحلة الابداع والابتكار وتحقيق الذات لاسيما وأن هذا هو الشرط الأساسي لخلق دافعية الإنجاز. وبمزيد من العناية والتحفيز خاصة المعنوي من خلال التكوينات والتأطير والتدرج والترقي ومن خلال الإشادة بالنماذج المتميزة خاصة وأن اغلبية المتعاقدين لا تعوزهم الكفاءة ول القدرة  من خلال مسارات شاقة ومتينة عاشوها بين رحاب الجامعات والمعاهد وبين دروب الحياة -أكبر مدرسة في الوجود-.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.