معاناة تلميذ بالوسط القروي (الجزء الاول)

0

الصحراء سكوب:بقلم .ايت ميمون محمد

عزيز طفل قروي تابع دراسته في إحدى الملحقات المدرسية التي تبعد عن والماس ببضع كيلومترات، مدرسة مهترئة تصدعت جدرانها و تكسرت نوافذها، مدرسة تتكون من حجرتين فقط لكنهما كانتا كافيتين لإيواء أكثر من 50 تلميذا وتلميذة،بل وكانت كل حجرة مقسمة إلى صفوف كل صف يدل على مستوى دراسي، صدقوني كان الجو داخل الحجرة صاخبا والمعلم تائها ،تلاميذ المستوى السادس يتلون القراءة، و تلاميذ المستوى الخامس منغمسون في فك مسألة في الرياضيات، أما تلاميذة الرابع إبتدائي فينتظرون دورهم في ترقب و كتب النشاط العلمي فوق طاولاتهم ، وسط كل هذه الفوضى يطرق أحدهم الباب في خجل، ليسود صمت رهيب، فتتوجه أنظار الكل الى الباب ،إذا به طفل شاحب، يلهث ،ضعيف البنية،ملابسه بسيطة بالية،حذاء مزقته قساوة و وُعُورة المسالك،يحمل تحت ذراعيه كيسا بلاستيكيا أسودا يحفظ فيه دفاتره و كتبه،إنه عزيز !! يتفقد المعلم ساعته و شرارة الغضب في عينيه ،ما الذي أخرك حتى هذا الوقت؟ لكن عزيز تسمّر في مكانه يتمتم ببعض كلمات لم يفهمها غيره لكن المعلم سمح له بالدخول كأنه أعتاد الأمر ولم تكن المرة الأولى على ما يبدو، توجه عزيز الى صف المستوى السادس الذي يدرس به ،ما هي إلا لحظات حتى رن منبه قديم يحتفظ به المعلم فوق مكتبه معلنا عن وقت الإستراحة،تنفس كل الحضور الصعداء ليطلقوا العنان لجو المرح واللعب في ساحة المدرسة التي تحيط بها أشجار الفلين الشامخة، لكن المعلم إستوقف عزيز وطلب منه البقاء في الحجرة لبضع دقائق، إستطرد المعلم قائلا:
-ما الذي آخرك اليوم يا عزيز؟
-لقد طلب مني أبي إحضار بعضا من حطب التدفئة لأن أمي التي كانت تقوم بهذه الأمور المنزلية مريضة، وأبي كما تعلم يا معلمي مقعد و أخي الكبير ترك المنزل منذ شهور ،ولم يبقى سواي واخي الصغير الذي يرعى أغنامنا بمقربة من المنزل إلى أن تتعافى أمنا
كان جواب عزيز صادما للمعلم الذي لم يستطع حبس دموعه حسرة على ظروف عزيز و إصراره الكبير على التعلم،و ربث على كتفه وقال له أنت رجل بحق يا عزيز ويوما ما سيكون لك شأن كبير، إستلطف عزيز كلمات المعلم وخلقت في نفسه راحة ورغبة جامحة للمضي قدما في سبيل تحقيق أحلامه و إجتثاث أسرته من مستنقع الفقر و البؤس والشقاء الذي يعيشونه. وعلى وقع تلك الكلمات المحفزة إلتحق الطفل بأصدقائه في الساحة الشاسعة حيث كانت البنات يلعبن الحجلة و الأولاد يركضون والسعادة تغمر وجوههم ،وهي مناسبة كذلك للمعلم لإرتشاف كوب قهوة مع زميله الذي يدرس المستوى الأول و الثاني والثالث بالحجرة الأخرى ، و تبادل أطراف الحديث.مذكرات عزيز

…وأثناء الإستراحة يسمح للتلاميذ بأخذ محفظاتهم معهم إذ أن معظمهم يقصدون المدرسة في الصباح الباكر بسبب المسافات الطويلة التي يقطعونها في سبيل تحصيل العلم،فيؤجلون وجبة الفطور حتى المدرسة ، فطورُُ عبارة عن قليل من الخبز و شاي معبأ في قنينات المربى الزجاجية ،و قنينات ماء ،لأن المدرسة ينعدم فيها صنبور ماء ولا حتى مرحاض ،تخيلوا ..!!.وبعد إنتهاء وقت الإستراحة عاد التلاميذ الى حجراتهم و أستأنفوا الحصة وعاد الصخب و الضوضاء لتعم المكان ،وكان عزيز تلميذا سريع البديهة مجتهدا ما إن يطرح المعلم سؤالا حتى تجده سباقا للإجابة و كان محبوبا لدى الكل، كيف لا وهو الذي يساعد جميع التلاميذ في واجباتهم ولم يكن يرفض لأحد طلبا ،وبعد مرور أكثر من ثلاث ساعات على الإستراحة أذن المعلم للتلاميذ بالخروج فقد إنتهت حصة اليوم لتبدأ رحلة العودة الى الديار التي قد تستغرق لدى البعض أكثر من ساعة ،ويقوم عزيز بتوديع الأصدقاء على أمل اللقاء في اليوم الموالي، لكن عزيز لم يعلم أنه سيكون الوداع الأخير لأصدقائه و أن القدر يخبأ له ما لم يكن في الحسبان، تفرق التلاميذ كل إلى وجهته و ضحكاتهم تتعالى يركضون تارة و تارة يتباطئون بعد أن ينال منهم التعب، و خلال سيرهم تراهم يقطفون الأزهار و يمرحون و منهم من يستعرض دروسه قصد التباهي، أما صديقنا عزيز فقد إستل جَبَّاده الذي لا يفارقه أينما حل وارتحل من كيسه البلاستيكي وبدأ يطارد العصافير هنا و هناك فقد كان الصيد هوايته المفضلة بل كان مهووسا به،وصل عزيز تلة تطل على منزله فرأى شيئا لم تصدقه عيناه فأسرع قليلا ليتأكد أنه لم يتخيل ذلك فإذا به حقيقي، إنه هو لقد عاد ، إنه شقيقه الأكبر كانت فرحة عزيز لا توصف وكان عناقا حارا ،و مد الشقيق يده إلى جيبه ليخرج علبة شوكولاتة كهدية لصديقنا الذي لم تَسَعْه فرحة و أستأذن أخاه كي يرتب كتبه و دفاتره لكن جواب أخيه كان صادما !!،دخل غرفة الضيوف ليضع كيس الكتب فوجد شخصا غريبا في الغرفة ألقى عليه التحية ثم أنصرف، لم يفهم مايحدث وأسئلة كثيرة لم يجد لها جواب، ماذا يقصد أخي بكلامه؟ من هذا الشخص؟ عاد الى الكشينة(المطبخ) حيث ترك اخاه و أمه و أباه المقعد ملتفين حول الكانون وهم في أخذ و رد ،حاول أن يسترق السمع غير أنه لم يفهم شيئا، فأقترب من شقيقه الأكبر وسأله :
-ماذا قصدت بكلامك أنني لم أعد بحاجة لكتبي و دفاتري؟؟ و من هذا الشخص في غرفة الضيوف و ماذا يريد ؟؟؟
قبل أن ينطق الأخ بكلمة صرخت الأم في وجه عزيز وقالت إذهب لترعى الغنم و أرسل أخاك الصغير فهو لم يذق طعم الأكل منذ الصباح ، ففعل كما طلبت و ذهب ليرعى الغنم و الحيرة تكاد تقتله و كلمات أخيه لم تفارق مسامعه ،فهم أن شيئا كبيرا يحدث شىء قد يعصف بآماله بأحلامه شيء قد يقلب حياته رأسا على عقب. يتبع …

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.