معاناة تلميذ بالوسط القروي (الجزء الثاني)

0

الصحراء سكوب:بقلم ايت ميمون محمد

مرت الدقائق كأنها ساعات و عزيز الذي يتابع دراسته بوالماس التابع باقليم الخميسات ينتظر غروب الشمس بفارغ الصبر غروب كان سيضع نهاية لحيرته ،غروب قد يحمل معه إجابات تريح اعصابه ،كان صديقنا متعودا على رعي الغنم في كل عشية وكانت من بين اللحظات التي تشعره بالفرح و السرور إذ كان يلتقي بمجموعة من الأصدقاء الذين تعذر عليهم التمدرس أو تركوه مكرهين لأسباب أو لأخرى يسرد عليهم تفاصيل رحلته الى المدرسة و كل المواقف التي حدثت داخل وخارج الحجرة، وكانوا يتشوقون للقائه و يستمعون لكل كلمة يلقيها بتركيز و انتباه كبيرين ،وكانوا يكنون له الإحترام والتقدير لأنه كان حريصا على تمكينهم من بعض الأدوات كالأقلام و الورق و يحفزهم على محاولة تعلم القراءة و الكتابة و يساعدهم في ذلك كل عشية حتى أجادها بعضهم ولم تطأ قدمهم المدرسة يوما ،لكن بال عزيز اليوم مشغول وهو ما لاحظه أصدقاؤه ولم يستطع أحد منهم تبيان الأمر مخافة ازعاجه، ماهي إلا هنيهة حتى أسدل الليل ستاره معلنا وقت العودة الى الديار .وأخيرا سوف يعرف ما الذي يحصل ،أَذخَلَ قطيعه الزريبة لكن تلك الخطوات التي كانت مسرعة ما إن إقترب من المنزل حتى تثاقلت وبدأ قلبه يفتح للوسواس نافذة، ويمهد للقلق طريقا ،لكنه إستجمع قواه وتوجه الى الكشينة حيث يجب أن تكون أمه، دخل ووجدها منهمكة في إعداد العشاء و جلس غير بعيد عنها ،لم يستطع الإنتظار أكثر فدخل صلب الموضوع:
-من ذاك الرجل يا أماه و ماذا يريد؟ ولماذا قال أخي أنني لن أحتاج دفاتري و كتبي بعد اليوم ؟
الأم و الدموع في عينيها : سوف نرحل يا ولدي سوف نرحل .
عزيز مندهشا : ماذا. ،لكن كيف و لماذا يا أمي ؟
-لقد عثر اخوك على عمل جيد بأجرة معقولة ،انت ترى يا ولدي حال والدك المقعد، وأنا تقدمت بالسن ولم أعد أستطيع تحمل هذا الوضع و كل هذا الشقاء، حيث سنذهب لن أُضطر الى البحث عن الماء و الحطب فكل شيء متوفر يوجد لديهم كهرباء ، أخيرا سنحصل على تلفاز ويمكنك أن تشاهد الكثير من الأشياء الجميلة ،وذاك الرجل هو من سيرعى أغنامنا حتى يحين وقت بيعها و سيسكن في منزلنا إلى ذاك الحين.
-لكن يا أمي ماذا عني أنا ؟ماذا عن دراستي ماذا عن أحلامي ؟؟
أطرقت الأم رأسها وبكت بكاءا شديدا لكن ما عساها تفعل فالقرار ليس قرارها وتعرف في أعماق نفسها أنها عاجزة عن فعل شيء حتى وإن أرادت ،بكت بحرقة لأنها تعلم جيدا أن هذا الرحيل سيعصف بمستقبل فلذة كبدها الذي كانت كل الآمال معلقة عليه ،بكت لأنها أيقنت أن عزيز سيودع المدرسة الى الأبد .خرج المسكين و الدموع تنغمر من عينيه و هو يركض و يصرخ و يبكي حتى وصل لشجرة فلين ضخمة تطل على واد كبير لا ينام له جفن يجري ليل نهار و صوت المياه المتدفقة يكسر سكون الليل الدامس في جو كئيب و حزين ،و تحت الشجرة كتل صخرية حادة شديدة الإنحذار ، إسودت الحياة في عينيه كره أخاه و أمه كره كل شيء كره حياته، أغمض عينيه و بدأت تمر اللحظات الجميلة أمامه كأنها شريط سينمائي ، لحظات لن ينساها أبدا رغم قساوتها رغم ظروفها الصعبة لكنها تبقى جميلة مع ذلك و ربما سر جمالها في صعوبتها و بساطتها و كدى لإقترانها بمحيط عنوانه الأرض و الطبيعة ،تسلق عزيز شجرة الفلين المتفرعة غصونها حتى وصل أخر غصن بها ، غصن كان مائلا في إتجاه الوادي ، كثيف الأوراق ، غصن كان يعرف عزيز حق المعرفة فقد كان مخبأه كلما تورط في مشكلة عندما كان صغيرا ،لكن مالم يعلمه صاحبنا هو أن وزنه لم يعد وزن داك الطفل الصغير و أن الجدع قد لا يتحمل ثقله ،واستمر بالتسلق بغية الوصول إلى النقطة حيث يمكنه جلوس القرفصاء كما كان يفعل في الماضي، لكن فجأة سمع عزيز صوتا خافتا صوتا ليس بغريب عنه قادما من أسفل الشجرة وسط العتمة ، لقد كان أخوه الصغير !! ماذا تفعل يا أخي ؟؟ تسمر صاحبنا في مكانه مذهولا كيف لطفلِِ صغيرِِ لم يكمل عامه السابع أن يعثر علي و أن يعرف مخبئي السري هذا ،نزل صديقنا من فوق الشجرة و اصطحب أخاه الى البيت و الحسرة تملأ قلبه إذ لم يتسنى له توديع ذلك المكان الجميل الذي لطالما كان الملاذ و كاتم أسراره مكان للخلوة و التأمل يشعره بالطمأنينة وراحة نفسية منقطعة النظير، فوق ذاك الغصن أحس أنه نسر يحكم التلال و الوادي متربع على عرشه و الأشجار و الصخور من حوله يقدمون فروض الطاعة و الولاء ،تلك اللوحة الخلابة التي تجمع بين خضرة الطبيعة و خرير المياه و ذاك النسيم الذي يداعب الأوراق لتتراقص على إيقاع جميل يستحيل أن تفارق مخيلته .يتبع

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

error: Content is protected !!