“الإفلاق” تقنيّة جميلة من محسّنات الشعر الحسّاني

0

الصحراء سكوب:محمد النعمة بيروك

“الإفلاق” هو إحدى التقنيات المحسّنة المستعملة في الشّعر الحساني،  ويعادله في الشعر العمودي “التّدوير”.

وقبل الدخول في معناه الحسّاني لابأس من التطرّق بسرعة إلى تسميته العربية المقترنة بالشعر العمودي، ذلك أنه يعني في تلك الحالة انشطار الكلمة إلى جزئين بين شطرَيْ البيت، ومن ذلك قول أبي العتاهية:

 

يومُ التّغابنِ والتّباينِ والتّنا

……………زُلِ والأمورِ عظيمةِ الأهوالِ

 

فكلمة “التنازل” لم ترد مجموعة بل استأثر كلّ شطر بجزء منها (التنازل=التنا….زل).

 

لكنّ “التدوير” في الشّق التفعيلي من الشعر العربي يقترن بانشطار التفعيلة وليس الكلمة، وهو أمر أشكل على البعض فخلط بين الحالتين.

والتدوير في الشعر العربي في الغالب يقف عند ساكن، بينما في الشعر الحسّاني قد يقف عند ساكن وقد يقف عند حركة، وهو ما سنعطي أمثلة عليه في الحالة الحسّانية.

الإفلاق في الشعر الحساني كما سبقت الإشارة لا يختلف عن “التدوير” في الشعر العمودي سوى في مجال التوظيف اللغوي، وهو بالتّالي انشطار كلمة إلى جزئين بين شطرَيْ التّافَلْوِيتْ، وفي رأينا أن الكلمة أكثر دقّة من نظيرتها الفصيحة، فهي من فعل “فلق” والفلق وفق لسان العرب هو الشقّ، ففلقه يفلقه فلْقا أي شقّه، وتظهر دقّة التّعبير الحساني عن هذه الحالة الشّعرية في أن الفلق يصيب عمق الكلمة كما ينفلق الحَبّ كما قال تعالى في بداية الآية 95 من سورة الأنعام “إنّ الله فالق الحبّ والنّوى”، وإن كان “الإفلاق” يصيب المعنى أيضا كما سنرى.

وسواء هذا أو ذاك فإن الإفلاق يعني إحداث شق في حالات شعرية، سنعطي أمثلة عليها من نظم شعراء صحراويين.

 

وحتّى نفهم الإفلاق مبدئيا نتأمّل قول الشاعر:
الــســـالك جَ…..مِيـلْ گْبَــالَ

مَنْ ساعةْ جَ…..عَـدَّلْ حــالَ

 

فكلمة الوصف “جميل” انقسمت إلى جزئين بين شطَيْ المَگْيَمْ: “ج” و “ميل”.
ومن ذلك أيضا قولهم في الگاف المشهور:
لا تَمّو يتْخَمّو…..كونْ مْعاهُمْ آنَا

يا ملانا يا مو…..لانا يا مولانــا

 

وينقسم الإفلاق إلى نوعين: الإفلاق اللفظي، وإفلاق المعنى.

 

  • الإفلاق اللفظي:

 

الإفلاق اللفظي هو انشطار الكلمة –وليس الجملة- إلى جزئين بين شطْرَيْ التّافَلوِيتْ.

وقد يقع بين ساكن ومتحرك مثل قول الشاعر محمد الخطاط:

 

كْلامَكْ سُـومـو حَگْ…..إِيْعودْ و فيهْ أَصْدَگ

أَمْـعَ فَعْلَكْ و أَنْــزَگْ……فِعْلَكْ فَـثْرْ أَكْـلامَـكْ

وكِيسْ أَعَلَ كِدَّكْ وأَگْـ…..طَعْ سَومْ أَلْمَقَامَــكْ

 

وقد يقع بين متحرّكيْن، مثل قول الشاعر الطاهر خنيبيلا:

 

ذَ لْحَدْ الْجَـ…..ـمالُو فَتّـانْ

ماگطْ انْـجَ…..مَنّو إنْسانْ

 

كما قد يقع بين ساكنين، وهي حالة نادرة.

 

  • الإفلاق في المعنى:

 

هذا النوع من الإفلاق لا يصيب الكلمة كما هو الشأن في النوع اللفظي السابق، وإنما يصيب الجملة، ويسمّى إفلاقا لأنه شطر المعنى إلى جزئين، حيث أننا نشعر أن المعنى غير مكتمل إذا وقف الشاعر عند نهاية شطر ما من الطّلعة، ومنه قول الشاعر الحمداني احمدناه:

 

 

ومْغَنِّ ذَ الدّهْرْألَّ حــاسْ….بالتّيفَلْواتَنْ وذْهـانُــو

مفتوحة ويْتَمْ عْلى ساسْ….لَغْنَ ساسُو مَنْ بًنْيانُو

 

نلاحظ أنه لا يكتمل المعنى عند الوقوف عند كلمة “اذْهانو” التي وقف عندها “المَگيَمْ” إلا بذكر الكلمة الأولى من “التّافلويتْ” الموالية “مفتوحة”.

 

وسواء كان الإفلاق لفظيا أو في المعنى، فإنّ اقتفاءَه في حدّ ذاته ليس هو الهدف، وإن كان هناك من الشعراء من استعمله بدون أي دور وظيفي في المعنى العام للگاف أو الطّلعة، ذلك أن أجمل أنواعه هو ذاك الذي تنشأ عن إحداث نوعه اللفظي مثلا كلمتان جديدتَان في طرفَيْ “التّافلويتْ”، يتماشيان مع المعنى العام، مثل قول الشاعرحمزة العماري:

 

عَزّكْ فَخْلاگي رادمُ…..يَغْلانَة مَـنْ مُلانــا

وُلانـي منّـكْ لـرادْمُ…..لانا گاطَعْ مُولْ انا.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

error: Content is protected !!