الحكاية الشعبية الصحراوية.. خزّان لغوي وثقافي

0

الصحراء سكوب:

تشترك الحكايات الشعبية في الصحراء بصفة عامة مع الأمثال والألغاز وغير ذلك في كونها ذلك المنقول الشفاهي بالتوارث عبر الأجيال، والذي لا يُعرف مؤلّفُه على وجه التحديد، ويُعزى إنتاجُه إلى الجماعة. وهي قصص طويلة في الغالب، ذات طرح تقليدي، وشكل نمطي، تتناول الإنسان والحيوان والجن والخرافة، بطريقة عجائبية أحيانا، وتستمدّ مادتها من الواقع أحيانا أخرى، ومن الخيال أحيانا كثيرة، وقد يكون مصدرها من واقع تمّت المبالغة فيه. وتُعدّ جنسا أدبيا قائما بذاته. وتنقسم إلى ما هو اجتماعي وديني وعجائبي، وغير ذلك.
وتشترك الحكاية الشعبية الصحراوية، والحسانية بصفة عامة، مع سابقتها العربية في الأصل الشفاهي، وتتقاسمان أغلب الملامح، خصوصا في ما يتعلّق بالمضامين التي تصل أحيانا حدّ التّقاطع، فبالإضافة إلى تشابه المضامين في أبعادها الاجتماعية و الدينية والخرافية، والذي ينتج عن الصحراء كطبيعة ومشهد، انطلاقا من الخيمة، والتلال، والنبتات، والحيوانات، وكل ما توحي به الصحراء في تجليها الطبيعي الجميل، أو في وحشة ليلها وما يوحيه صمتها وسكونها، وقفر آفاقها، مما ينوّع طروحها ومضامينها التي تتحد هنا وهناك، حتى لنجد أحيانا تشابه في الشخصيات، مثل جحا وأشعب في الحكاية العربية القديمة، و”شرتات” و”ديلول” في الشعبية الحسانية.
والحكايات الشعبية في الصحراء -مثلها مثل كثير غيرها- تصب في معظمها في ثنائية الخير والشر، حيث ينهزم هذا الأخير، إلا في بعض الحالات التي تلتمس الطُّرفة في المكر مثلا، لكنها في الغالب في قالب معين يساعد على تهذيب النفس، ويحثّ على الخُلُق الرفيع، ويعمل على تعديل السلوك، عبر الوعظ والعبرة من مآل الشخوص والأحداث.
غير أن الكثير من هذا الموروث الشعبي ضاع مع السنين، بسبب ندرة التدوين وتأخره، ويعاني ما تبقّى منه في الصحراء اليوم -كما في مناطق أخرى- من الكثير من الهجْر، بسبب الاستعاضة عنه بوسائل الترفيه والاتصال والتكنولوجيا، من تلفزة وسينما وأنترنت وغيرها، مما يدخل اليوم في كل بيت، بعد أن كانت تلك الحكايات وسيلة للترفيه والسّمر الوحيدة قديما.
.
لماذا حفظ هذا التراث؟
.
وجب الحثّ اليوم على الحفاظ على هذا الوروث، للرّقي به إلى ما هو أكثر من الوعظ والتسلية على أهميّتهما، وهو سعي على كلّ الجهود التكاثف من أجل تحقيقه، إذ يُعنى به الجميع، بدءا بالجهات الرسمية كوزارة الثقافة، مرورا بالمجتمع المدني، وانتهاء بالأفراد، فبالإضافة إلى هذا التعلّق العاطفي والفطري بالماضي، نعتقد أن الحكاية في الحقيقة تُقدّم للإنسان ما هو أكثر من ذلك كلّه، مما يحتاجه اليوم، والمتمثّل في توثيق الموروث الشعبي اللامادي، وهذا يعني توفر ذاكرة جمعية، ترسّخ الهوية، بعيدا عن شوائب التأثر والاختلاط الذي يوّفره عالم القرية الصغيرة اليوم، مما يساعد في العودة إلى أرشيف أوخزّان يحفظ اللغة والثقافة والعادات، ممّا يمكن عرضُه في النقاط التالية:
-صقل اللغة، أي أن الحكاية الشعبية وعاء للحسانية القحّة، بتفاصيلها العريقة.
-الحفاظ على الآداب المتمثل في الحكاية نفسها، أو في ما تحتويه مثلا من أمثال، وألغاز، وما تعلّق بالشكل من مهارات السرد، وغير ذلك..
-البعد الثقافي المتعلّق بأسماء الإنسان والأرض والنبات والحيوان.
-مجال للاطلاع على العادات والتقاليد القديمة التي تعكسها طرق العيش والمعاملات، وطقوس المناسبات، وما تعلّق بالمأكولات والألبسة والأثاث… إلخ.
هذا بالإضافة إلى ما يمكن أن يخرج به الدّارسون من هذا التراث، مما يتعلّق مثلا بالدراسات النفسية للإنسان القديم في الصحراء، وعبقريته، وغير ذلك مما يمكن البحث فيه، واستنباط الأفكار والفائدة والمعلومة منه.
.
وسائل حفظ هذا التراث؟
.
ما من شك أنّ السعي لحفظ هذا الموروث اليوم يجب ألّا يخرجه من شفاهيته بقدر ما ينبغي أن يضيف وسائل أخرى لتحقيق هذا الحفظ، في غمرة الانشغال عنه اليوم بهذا الزخم الكبير من وسائل الترفيه والمتعة والاتصال والتواصل، ممّا يتوجّب معه “عزل” ما سلم من نوائب الدّهر، وما لم يرْحل بعدُ مع الرّاحلين على مدى السنين الطويلة التي لم يكن فيها التّدوين، والذين يتقلّصون يوما بعد يوم في عصر الكتابة والتسجيل، لذلك وجب:
-استدراك ما يمكن استدراكه من المسنّين الذي يحملون معهم ما تيسّر من هذا الحكي، وتسخير كل الوسائل لاستنطاق المعروفين منهم خصوصا بهذه المَلَكة، ولنا في تجارب خارجية اقتداء، منها التجربة الموريتانية التي نتشارك معها اللهجة الحسانية، حيث عهدوا لمجموعة من الباحثين بمهمة التنقيب وجمع التراث المحكي، وحققوا تقدّما في هذا المجال.
-تسخير كل الوسائل المحلية والدّولية لخدمة هذا الغرض، خصوصا مع تبني “اليونيسكو” مهمّة الحفاظ على التراث اللامادي، كإرث إنساني، وليس فقط محلّي.
-الطبع والنشر، ينبغي هنا الانتباه إلى أهميّة النأي بهذا التراث عن محاولات العصرنة التي تفرغه من أصالته وعراقته التقليدية العتيقة، كأن يُتناول بتقنيات الرواية أو القصة كما هو متعارف عليهما اليوم.
-العمل على إدراج الحكاية الشعبية ضمن المناهج الدراسية، سواء للناشئة، من خلال القراءة، أو حتى في الترفيه من خلال “الحكواتي”، أو في المراحل المتوسطة من الدراسة على اعتبار أن الحكاية الشعبية جنس أدبي قائم بذاته. وحتى في المراحل المتقدمة من العمر الدراسي للطالب، بالتشجيع على أخذ جانب معين من هذا التراث في البحوث الجامعية.
-استحضار الحكاية الشعبية في الأعمال المسرحية، والتلفزية، وهو الأمر الذي لمسناه بالفعل في أكثر من حالة.
-تنظيم الملتقيات والمهرجانات التي تتناول الحكاية الشعبية متنا ونقدا، لإنعاشها، واستنطاقها، بإثارة الانتباه إلى ما تقدّمه هذه الحكاية من فائدة لا تقف عند المتن الملموس، بل تضع هالة ضوء على الأبعاد المختلفة، وتشير إلى دور هذا التراث في حفظ الملامح المحلية في أكثر من مجال.
.
ختاما لا يسعنا -ونحن نعترف أنّ الحكاية الشعبية أقلّ “متعة وترفيها” في عالم اليوم من كل الوسائل المتاحة- إلا أن نقول أنها -إضافة إلى كلّ ما ذُكر- لا تفرض رؤية المُخرج على المتلقي، كما تفعل الأدوات المرئية اليوم، وإنما تترك له حرّية تصوّر ما يُحكى، مما يثير التصوّر، وينعش الخيال، ويعِدُ بالإبداع.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

error: Content is protected !!