خمسة أشهر لدى البيظان في الصحراء الغربية 2‎

0

الصحراء سكوب:بقلم محمد النعمة بيروك

لقد أهمل المترجِم في الحواشي أسماء ما جهله “كاميل” من ثقافة البيظان وحياتهم في المتن، إلا في حالات نادرة مثل إشارته إلى اسم إحدى الألعاب الشهيرة “أراح” (ص116)، لكن في بعض التفاصيل الصغيرة التي عاشها الكاتب الأصلي ما تُطلق عليه أسماء أشهر من نار على علم،  مثل قوله “خليط الشعير المقلي”، وفي الحاشية يتحدث المترجِم عن “القمح المطحون” كأكلة محلية (ص122) دون ذكر اسمها الأشهر “بَلَغْمانْ”، وحين يتحدّث كاميل عن “خضّ حليب النّوق في قرب بواسطة مسند من ثلاث قوائم” (ص140)، لا نجد في الحاشية كلمة “شَكْوَة” أي خضاضة اللبن بالحسانية المعروفة، كتوضيح لكلمة “قربة” التي أوردها بشكل ما الكاتب الأصلي.
لكنّ الأهم بالنسبة لباحث أكاديمي هو المصطلح التاريخي، فالمترجم يسقط في الترجمة المباشرة عندما يطلق على الصحراويين اسم “بيظان الشاطئ” (ص 24)، والحقيقة أن التوصيف الصحيح هو “بيظان السّاحل”  وهو الاسم الذي أطلق على الصحراء منذ القديم، والذي تقابله عبارة “بيظان الكَبْلة” (بالجيم المصرية) المقصود بها قاطنو مورتانيا جنوبا.
وحتى بعيدا عن ثقافة المنطقة لم يكن واردا أن يسقط المترجم في عبارة من نوع “عبيد الله” (ص 53) بدل “عباد الله”.
هنات مختلفة:
في الصفحة 95 يورد الكاتب أن عجوزا تعاطفت معه، فقالت له “اشرب حتى تشبع” والمعروف أن الارتواء هنا هو التعبير المناسب وليس الشبَع.
من بين حالات الترجمة المباشرة جملة نبّهني لها الدكتور الناقد الغلى بوزيد في الصفحة 84، حيث يقول الترجِم:
 “… ما إن أنهى كلامه حتى ردّ الغطاء على وجهه، وامتطى جمله الذي كان ينتظره مقرفصا أمام الخيمة…”
أي غطاء رده الرجل على وجهه؟ إنه اللثام أو العمامة ببساطة، أما الجمل فإنه لا يجلس القرفصاء، بل يبْرُك كما هو معروف.
لا داع للتذكير بما أوردناه في الجزء الأول من أن المترجم د.حسن الطالب أبدع في هذه الترجمة، فسرْدُ الأحداث سلس وممتع، لكننا نعتقد أنه تسرّع في الطّبع بدون رقابة لغوية، يفعلها أكبر الكتاب، فقد وقع أيضا في بعض الهنات الإملائية (الخلط في أكثر من مكان بين الدال والذال، والتاء والثاء) والتي يمكن إدراج بعضها في “المطبعية”، فلربما سقط معظمها سهوا، لكن المترجم ليس معذورا بالقدر نفسه في “الهنات النحوية” التي لمحنا منها قدْرا غير يسير، وحتى لا نُتَّهَم بالحديث من فراغ فإننا سنورد بعضها، يقول:
“رفع الإمام كلتا يديه”، ص63، والصحيح “كلتي”.
“يحملان قيدان مربوطان” ص69، والصحيح “قيدين مربوطين”.
“دعني أراها” ص 54، والصحيح “أرها”.
“عن شفتاي” ص 77، والصحيح “عن شفتيّ”
“وهما رحالتان إسبانيين” ص96، والصحيح “إسبانيان”.
إننا نورد هذه الهنات للتدليل على أن هناك نوعا من التسرّع في إخراج الكتاب كما أشرنا، أما غير ذلك فقد وُفِّق فيه المُترجِمُ إلى حد كبير، فالكتاب فعلا ممتع في صياغته العربية، وهو مضمونا يحمل كمّا هائلا من المعلومات المتعلقة بحياة البيظان في نهاية القرن التاسع عشر، خصوصا بمنطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب، ومهما كانت فيه من مبالغات تُستَشفّ منها الإساءة أحيانا -وهذا ما تبدّى لي في البدء- فإن المترجِم لم تفته الإشارة إلى ذلك في مقدّمته حين يقول “… فقد توخى دولز إيصال صورة عجائبية، بعيدا عن الموضوعية المفترضة…” (ص13)، كما أن الكثير مما يُعتقد أنه إساءة كان واقعا حقيقيا في حياة البيظان، حيث أن الحضارة كانت على مرمى حجر منهم، لكنها لم تصلهم إلا بعد ذلك بكثير، فقد اقتَتلوا فيما بينهم غيرما مرّة في ما يعرف بـ”غَزّي”. ومع ذلك فإنّ كاميل لم يفته أن يورد في كتابه لمحات مشرقة من حياة البيظان أنذاك على ما فيها من سوء، فلربما أثار حفيظة القارىء حين وصف البيظان بـ”الوحوش” في بداية مغامرته (ص39)، بل بـ”كائنات بوجوه بشرية وشعر طويل” (ص33)، لكنه لا يفتأ بعد ذلك يصفهم بالطيبوبة بدءا بالعجوز التي تعاطفت معه (ص95)، مرورا بوصف كرمهم (ص111)، وانتهاء بالنظافة، فبعد أن تحدث عن ندرة النظافة بالماء أجسادا وأدوات لطبيعة المنطقة الحارة والجافة،  نجده يصف اغتسالهم حين يجدون الماء بـ”الاغتسال الحقيقي” (ص114)، كما يصف الحركة العلمية والثقافية في أكثر من موضع، فيقول مثلا “… ويحظى التعليم بينهم بمكانة سامية…حتى أن أطفالهم يخوضون نقاشات جدية… وتحويلهم خيامهم إلى أكاديميات حقيقية” (ص110). هذا بالإضافة إلى لمسات كثيرة تتحدث عن الذكاء والفطنة والصبر وغير ذلك ممّا يضيق المقال عن سرد أمثلة فيه.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!