سلسلة رمضانية عن التعليم بالصحراء ” الجزء الاول”

0

الصحراء سكوب: من إعداد . الدكتور الكيرع المهدي

المحددات السوسيو – مجالية لنظام التعليم بالصحراء.

ساهمت ثلاث أنماط رئيسية في رسم و تكريس السياسة التعليمية بمنطقة الصحراء: تلك المتعلقة بدينامية البنية السوسيو- مجالية المحلية لهذا النسيج القبلي،والتي يمكن إختزالها في نظام الكتاب القرآني كجزء من النسيج السوسيو- ثقافي للقبيلة بالصحراء، ثم نظام المحضرة باعتباره الإطار الذي حاولت من خلاله الزوايا ترسيخ قيمها الاجتماعية، ثم التأثيرات الهامة التي مارستها السياسة التعليميةالإسبانية بالمنطقة من جهة ثانية.

فعلى المستوى الأول شكلت القبيلة بالصحراء وحدة اجتماعية مغلقة و مكتفية ذاتيا، و في هذا الصدد شكلت الكتاتيب القرآنية أهم قناة للتنشئة الاجتماعية وفق مرجعية تقليدية محلية ، و في نفس الوقت ظلت الزوايا خاصة تلك القادمة من بلاد شنقيط توظف نظاما تعليمياخاصا بها، يسعى أساسًا إلى تكريس و شرعنة رهانات الزعامات المحلية لشيوخ الزوايا، وفق مرجعيات دينية صوفية بالأساس شكلت المحضرة أهم مظاهرها ،غير أن هذا التعايش بين نظام الكتاتيب القرآنية كتعبير عن استقلالية القبيلة، و نظام المحضرة كآلية لهيمنةالزوايا، سيضطرب بشكل كبير جراء التدخل الإسباني و ذلك عبر سعي هذا الأخير إلى جعل السياسة التعليمية، جزءا أساسيا من سياسته الاستعمارية العامة، سواء عبر خلق نخب موالية لثقافةالمستعمر أو من خلال السعي إلى ترسيخ تنشئة إجتماعية وسياسية تشرعن لتواجده

1 : العمق التاريخي  للسياسة التعليمية بالصحراء.

إذا كانت كل سياسة عامة تحيل إلى برنامج عمل خاص بسلطة عمومية أو مجموعة من السلطات العمومية في قطاع معين، فإن السياسة التعليمية، كجزء من السياسات العمومية وكآلية من الآليات التي ترمز إلى التدخل و الإهتمام الحكومي بقطاع من القطاعات، وإن بدأت تتبلور مع بداية التواجد الإسباني بالمنطقة الصحراوية، فإنه يتعين التأكيد على أن هذه المنطقة عرفت نظاما تعليميا كان يشرف عليه الأهالي، يتماشى مع ثقافة المجتمع.

فالمجتمع الصحراوي و منذ تشكل بنيته المجتمعية، و التي تبلورت بنهاية القرن الثامن عشر حتى حدود رحيل المستعمر الإسباني(1976) عاش تحت وطأة نسقين من القيم التكاملية و التي يغطي بعضها على بعض و هما الإسلام و العرف.

فالإسلام مكون أساسي في كل جوانب الحياة الصحراوية و هو لا يقرر فقط الممارسات الدينية بل يشجع تشكيل مفهوم إسلامي يتجاوز بكثير مشكلة الوعي الفردي ليكتسي بعدًا يشمل جميع مكونات الجماعة المسلمة.

فرانسوا بازلي (1984) قضى عدة سنوات كعسكري في هذه المنطقة  يصف التدين اليومي الذي عاينه عند قبيلة من قبائل الصحراء : “يجب أن لا ننسى أننا بأرض الإسلام وخاصة عند البدويين كل شيء له صبغة دينية : القانون كما الأخلاق، التربية كما طريقة العيش، فالمؤمن يرتبط إرتباطا وثيقا بالمقدس، الأخلاق/ القيم الخاصة والأخلاق/ القيم العامة.

إستحضار إسم الله مع ممارسة الحياة اليومية، في الأكل و الشرب والذبح والصيد..” 

العرف هو أقدم من الإسلام، يحكم حياة البدويين الرحل مع ما تشمله من خصوصية، هذا القانون (العرف) لا يتعارض مع الإسلام، لكنه يهتم بالجزيئات التي لم يشر إليها القرآن.

إنها العادات التي تتناقلها شفهيا عبر القرون والتي أخذت بفعل تواترها قوة القانون الملزم. كما أن مخترقها يحاكم أيضا من قبل القاضي الشرعي كما هو الشأن بالنسبة للقوانين الإسلامية، أما إذا كان الجرم فادحا فيحاكم من قبل الجماعة، والمشكلة من قبل أعيان ووجهاء القبيلة، و هو ما يعرف لديهم “بأيت أربعين” و التي كانت لها اليد الطولى في إتخاذ القرارات المصيرية.

فالعرف هو القانون الذي يعمل على مواءمة الإسلام مع جميع الحالات و الحقب الزمنية، فهو يشمل جانبا تطوريا لا نجده في الإسلام.

هذه الثنائية إسلام/عرف تمنح للممارسات الصحراوية أصالة كبيرة مقارنة مع بقية الشعوب الإسلامية، فوضعية الترحال في حد ذاتها تخلق ضروريات تستدعي ممارسات خاصة و متميزة، كما أن المرأة تحظى بمكانة متميزة. وسط المجتمع الصحراوي، فتواصل أحيانا دراستها بمدرسة قرآنية دون أن تكون محجبة، كما أنها وبفضل القانون الصحراوي محمية وبشكل واسع في حالة الترميل أو الطلاق فنادرا ما تجد نفسها في مواجهة زوج طاغ، كما أن المجتمع يقدم العلاقات الإنسانية والاجتماعية على المصالح و عدم التمييز بين الغني و الفقير، فلا وجود لتراكم الثروات لدى الصحراويين نظرا لكثرة ترحالهم.

فالإسلام و العرف يعملان إذن على إعانـة المحرومين و تحقيـق نوع من التوزيع العادل للثروات و ترسيخ الروابط الإنسانيـة في أحضان المجتمع الصحراوي.

بالإضافة إلى قيم الإسلام و العرف نجد قيم أخرى : الجماعة، التويزة التعاونية، لمنيحة، الكرم، المعروف.. و هي قيم تؤصل لمجتمع صحراوي قائم (1)،

وبخصوص التعليم، فالمدرسة القرآنية هي قطب التعليم الأساسي رغم المشاغل و رغم إختيار البعض للشعر و الغناء كثقافة مكتسبة، فالمدرسة هي النواة الأساسية للحفاظ على الهوية الإسلامية للصحراويين، و استمراريتهم، فكل صحراوي إذن ملزم بتعلم القراءة و الكتابة مهما كان أصله أو طبقته تبعا لفكرة“التعلم من المهد إلى اللحد”، فرحلة التعلم لا تنتهي عبر الزمن، فمن تعلم القرآن و الشريعة إلى تعلم اللغة العربية وعلومها إلى تعلم مختلف العلوم الأخرى كالطب والفلك…، و عليه يمكن تقسيم النظام التعليمي عند المجتمع الصحراوي إلى نقطتين، فنتناول في الأولى النظام التعليمي في زمن الترحال، و ندرسه من خلال: الكتاب القرآني ودوره ضمن سوسيولوجيا القبيلة أي من خلال البحث عن خصوصية نظام الكتاب القرآني، هل هو كتاب متنقل (المجال)، ثم هل هو متوفر في كل القبائل؟ من ينظمه، من ينفق عليه، ما موقعه ضمن التراتبية الإجتماعية. و هل يخضع لرقابة؟

أما النقطة الثانية ندرس فيها الوظيفة التعليمية للكتاب بمعنى هل هناك برامج دراسية موحدة، من يضعها ؟ ما مضمونها و ما هي حدود تطبيقها؟

وهل من إمكانية لاستكماال الدراسة خارج المجال الصحراوي سواء في الشمال من خلال دراسة التعليم في المدارس العتيقـة بالمغرب، أو في جنوب المنطقة من خلال دراسة التعليم في المحاضر الموريتانية ، و قبل التطرق إلى ذلك بالدراسة، نشير أولا إلى ما نعنيه بالبيئة أو المجال الصحراوي، و خصوصا المميزات الثقافية و الجغرافية لهذا المجال؟.

 (1)  للمزيد من التفاصيل أنظر :

– سيد أحمد الشرادي، “الملامح العامة لمجتمع البيضان- دراسة مونوغرافية لقبيلة أولاد دليم”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام. كلية الحقوق – الدار البيضاء– 2007/2008، ص : 26.

– محمد دحمان، “الترحال و الإستقرار بمنطقتي الساقية الحمراء و وادي الذهب”، مطبعة كوثر برانت – الرباط – ط1- 2006، ص :176.

– Christine Perregaux .«L’école Sahraoui… », op cit : P : 41-42-43.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.