طابوهات الأدب في الصحراء

0

الصحراء سكوب:بقلم.محمد النعمة بيروك

مبدئيا نعترف أنه من المبكر لأوانه الحديث عن موضوع ممنوعات الأدب الحساني في الصحراء ، لحداثة عهد هذا الأدب ذاته بالكتابة والتدوين، في شقه الشعري والحكائي الشعبي، ولحداثة وجوده أصلا في شقه السردي الفصيح، إذ لا يمكن الحديث عن مرحلة في أدب مستجد برمته، لكن يشفع لنا في إثارة هذا الموضوع -في هذا الشق السردي خصوصا- هذا “الاستيراد الجاهز” لبعض الأجناس الأدبية، الذي يطرح السؤال على الأقل “هل كان استيردا بكلّ حيثياته، بما فيها مثلا من جرأة على كسر بعض الطابوهات؟ قبل محاورة هذا الموضوع من المهم أن نشير إلى أن مفهوم الطابو ليس بالضرورة ضد “اعتداء” على المحظورات الثلاثة “الدين والعادات والسياسة” فقد تكون الجرأة في مجرد استحضار جانب معين من هذا الثالوث في سياقات معينة، أو بشكل من الأشكال، أو حتى في عكس ظاهرة معينة لا يقرّها الكاتب بالضرورة، بقدر ما يقول أنها موجودة بالفعل، ما دام أن الأدب “مرآة مجتمع” كما يحلو للأدباء والمتلقين على حدّ سواء أن يصفوه.
يشمل الحظر في المواضيع والأساليب أيضا فنون أخرى كالمسرح الذي هو مستجد على الصحراء بدوره، وكذلك التمثيل التلفزي، وأيضا الموسيقى وإن بدرجة أقل. غير أن هذا “الاستيراد الجاهز” يذكيه ويزكّيه أيضا باستمرار ما أثّر يؤثر في سابقه المشرقي حتى الآن، ألا وهو عالم “القرية الصغيرة” بكل تفاصيله التي تكاد تشمل كل مناحي الحياة، وتدخل كل بيت، والتي يقف على رأسها “الأنترنت” والفضائيات، وغيرها من وسائل التواصل والاتصال، كل هذا أدّى إلى “انفراج” في ما يتاح للكاتب أن يتناوله كموضوع، أو يعبّر عنه بنوع من الوضوح لا يصل حدّ الغموض أو العتمة، خوفا من الدين والعرف والسياسة.
وعلى الرغم من أن فقهاء الأدب دأبوا على حصر الممنوع في الآداب عادة على تقسيمات معينة قد لا يكون بعضها غير جزء من البعض الآخر، فإننا نرى أن المحظورات في الأدب العربي عموما لا تخرج عن هذه الطابوهات الثلاثة: “الدين، والسياسة، والعرف”، وهي العناصر التي سنشير لها دون إعطاء نماذج وأمثلة في جوانب منها، لأسباب لا تخرج عن موضوع هذا المقال.
الطابو السياسي:
في مجتمع محافظ كمجتمع الصحراء، كان من المفارقة أن يكون الطابو السياسي هو أول ما كسره الشق السردي في الصحراء، خصوصا في جنس الرواية، حيث تمّ التطرّق إلى ما كان محظورا الحديث فيه لزمن طويل، ألا هو ما بات يُعرف من مدّة بـ”سنوات الجمر والرصاص”، في حين كان المنطق يفترض أن تكسر– على الأقل إبّان الحظر السياسي- بعض العادات الاجتماعية، المتعلقة بالإرث الذي يحمله الصحراويون، والمرتبط أحيانا بالقبيلة، أو المنسوب إلى الدين، وفي غير السرد ظلت بعض الجرأة حبيسة بعض الأشعار الحسانية، غير أن أحدا لم يجرؤ على تبنيها ورقيا طبعا ونشرا.
غير أن الجرأة على الطابو السياسي اقتصرت على بعده الحقوقي، بعد الانفراج العام داخل الوطن وخارجه، بسبب المصالحة والمعاهدات، والانفتاح الإعلامي، والأنترنت، في عالم القرية الصغيرة.
الطابو الديني:
تنقسم الجرأة هنا إلى ثلاثة أنواع:
 أحدها يتعلق بفكر الكاتب واتجاهه المناهض للدين، قد يكون من منطلق إلحاد صريح، وقد يكون غير ذلك، على الأقل من وجهة نظره، أو قد يكون نظرة لجزئيات معينة متعلقة بهذا الدين. ويفهم هذا النوع من خلال الطرح العام للكاتب، وربما من توجهه الفكري العام، حتى من خارج النص.
والنوع الثاني لا يعدو أن يكون تناوله نقلي لقضايا دينية، يرى الكاتب بوجوب تغييرها، وهنا يقع الالتباس الجدلي بين من يراه تطاولا على الدين، وبين من يراه نوعا من التجديد الذي يجب الأخذ به، لأنه لا يمسّ ثوابت العقيدة.
النوع الثالث، لا يطرح فكرا مضادا أو منتقدا للدين، لكنه يورد ألفاظا على ألسنة أبطاله في رواية مثلا، يبدو منها تطاول على الدين في رمز من رموزه، وهذا النوع من الجرأة شكلي، ويرى المدافعون عنه أن “ناقل الكفر ليس بكافر”، والإضافة إلى أنه يقتصر على الحوار، فإن الكاتب قد يورد في متن عمله ما يعبّر من خلاله أنه لا يقرّ بما يقوله بطل من أبطاله مثلا.
مهما يكن، فإن هذا النوع من الجرأة لم يصل بعد إلى الأدب الصحراوي، اللهمّ بعض اللمحات الشعرية التي ترشح من هنا وهناك، دون تدوين، والتي يزعم قائلوها أن فيها طرفة لا تستهدف الدين، بقدر ما تعبّر عن حالة عشق مثلا، ويشتهر بين الحسانيين عموما عن “أولاد أكشار” أن في بعضهم بعض الجرأة على المحظور الديني، الذي لن نعطي هنا أمثلة عليه.
الطابو الاجتماعي و العرفي:
في مجتمع كمجمع الصحراء يكاد هذا الطابو يصل درجة نظيره الديني، لبعض الاعتقادات التي تصل حدّ التّقديس في بعض القبائل، وعلى الرغم من أن بعض هذه العادات بدأت تضمحل فإنها ما تزال عصية على النقد في الأدب الصحراوي، حيث لا تمكن الجرأة على ذكر القبيلة، وبالتالي ذكر عادة سيئة مرتبطة بها –من وجهة نظر الكاتب- لأن ذلك يحيل ذهنيا إلى تلك القبيلة.
لكن الكاتب الصحراوي “تجرّأ” على ذكر بعض العادات المشتركة بين كل القبائل، أو بين أغلبها، كموضوع القبلية، وبعض ما يتمخض عنها كالعنصرية ضد فئات معينة من المجتمع الصحراوي، لكن هذا التناول لم يأخذ حظه من الوضوح بعد.
هنا يقف حدّ الجرأة تقريبا، على الأقل حتى الآن، ومازال بعيدا تناول بعض العادات السيئة التي يشترك فيها الإنسان في كل مكان، والتي تُنعت بأنها تخدش الحياء، على الرغم من أن آدابا عربية كثيرة تناولت الكثير من آفات المجتمعات العلنية، والمسكوت عنها في أكثر من مكان.
وحتى على مستوى الشكل، لم تعكس الحوارات في الرواية الصحراوية -مثلا- بعدُ لغةَ الشارع بكل حذافيرها، إذ يتمّ استدعاء فقط ما يليق بالقارئ الصحراوي المحافظ،  الذي ربما عليه أن يفهم ما بين السطور من خلال بعض الإيحاءات والتلميحات.
فيما كان في الشعر الغزلي العامي خصوصا في تجليه الرجولي والتبراع بعض الجرأة التي لم تعرف طريقها للطبع الورقي.
 طبعا هناك الكثير مما يمكن تناوله في موضوع الطابوهات المفروضة سياسيا ودينيا وعرفيا على الأدب في الصحراء، لكن يبقى الطابو الأكبر الذي تجرّأ عليه الكاتب الصحراوي حتى الآن وكسره، هو موضوع الكتابة نفسها، في مجتمع شفاهي إلى حد قريب.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Captcha loading...

error: Content is protected !!