معاناة تلميذ بالوسط القروي ( الجزء الاخير )

0

الصحراء سكوب:بقلم ايت ميمون محمد

قبل ان يسدل الليل ستاره وصلت الشاحنة التي كان على متنها عزيز وعائلته الى المكان المنشود كانت مزرعة كما وصفتها الأم أشجار مثمرة هنا وهناك إسطبلات للمواشي و منزل كبير موصول بالماء و الكهرباء كان كل شيء بمثابة جنة لأفراد العائلة بإستثناء عزيز الذي ظل عابسا و متذمرا، ساعد الجميع في إفراغ حمولة الشاحنة و تم ترتيب المنزل الجديد و خلد الجميع الى النوم بعد تعب الرحلة الطويلة لكن صديقنا لم يغمض له جفن أحس كأنه غريب على المكان أحس أن حياة البادية و صخبها لن تفارق مخيلته و أن قلبه تركه هناك حيث الأصدقاء و الوادي و المدرسة و خشي أن يجد صعوبة في التأقلم مع الوضع و الحياة الجديدة .
وفي صباح اليوم الموالي أعدت الأم الفطور و جلس الجميع حول المائدة باستثناء الاخ الأكبر الذي توجه الى العمل باكرا، كان عزيز يتناول وجبة الفطور و علامات الراحة تبدو على محياه كانت عقارب الساعة تشير إلى السابعة صباحا فجأة سمع صوت محرك سيارة على مقربة من المنزل لم يكن سوى صاحب المزرعة جاء للترحيب بالعائلة كان رجلا ضخم البدن يرتدي معطفا صوفيا بني اللون يضع قبعة سوداء و ساعة يدوية ينعكس منها شعاع الضوء ، ترجل السيد من سيارته رباعية الدفع ألقى التحية و طلب الإذن بالدخول فوقف الجميع إحتراما له، فسمع صوت لطيف خلفه : إنتظر يا أبي ..!
رد الرجل هيا يا إبنتي أسرعي و ألقي التحية
فتاة في عمر الزهور ترتدي فستانا أحمرا کانها وردة إنها اسماء إبنة السيد صاحب المزرعة تقدمت أسماء و ألقت التحية و رحبت بالأسرة ، كانت في مثل سن عزيز تقريبا
إرتبكت الأم و خجلت لأن المقام المتواضع لا يليق بالأسياد لكن الرجل كان في قمة التواضع و اللباقة و جلس مفترشا الأرض و طلب من أسماء ان تفعل كذلك و تجلس بجانبه ،طلب الرجل من الأم أن تصب له الشاي و أن تناوله الخبز المحمص البلدي و قال أنه يعشقه منذ كان صبيا و قص عليهم جانبا من حياته و كيف أنه كان فلاحا إبن فلاح و انه شق طريقه و ثابر لكي يصل إلى ما هو عليه حديث ترك إنطباعا جميلا لدى الجميع خصوصا صديقنا عزيز الذي بدت علامات الإرتياح على محياه حيث أعجب ببساطة و تواضع الرجل كيف لا وهو الذي تشارك معهم فطورهم البسيط و أحسهم بالفخر والعزة و أن الشياكة و النقاء هي نقاء القلوب وأن المال و الجاه لا يقتلان التواضع في النفوس
بعد وجبة الفطور تلك إستفسر السيد حول ما إن إحتاجت العائلة لشيء مع العلم ان المزرعة تبعد كيلومترات عن المدينة و عبر عن إستعداده لإشتراء حاجياتهم و متطلباتهم ،لكن الأم قاطعته و نبرة الخجل بادية على صوتها:
لا يا سيدي شكرا لك لكننا لا ينقصنا شيء و الحمد لله
رد الرجل: لا تخجلي يا سيدتي إن كان ما استطيع فعله لا تترددي في طلبه فأنتم بمثابة ضيوفي ،و إبنك الأكبر صراحة قام بعمل جبار و يعود له الفضل لما ٱلت إليه أحوال المزرعة بعمله المتقن و حسن تدبيره ، فقد اوكلت له هذه المهمة بعدما أهملتها و لم أعد أستطيع تخصيص بعض الوقت لها و الوقوف على امورها لكثرة إنشغالي و تعدد أعمالي لكنه كان خير سند و نعم الرجل و تمكن بتفانيه أن يعيد لها الحياة بعدما أستسلمت وفقدت كل الأمل و عندما أردت مكافاته على صنيعه كان طلبه أن يجلبكم هنا حتى يتسنى له العمل و عائلته بجانبه حتى يتمكن من رعايتكم و رؤيتكم كل يوم فكان له ما أراد…
وأنت يا ولدي ألست عزيز؟
أجاب صديقنا و وجنتيه محمرتين خجلا
بلى يا سيدي
شعر صديقنا بإرتباك شديد و هو الذي لم يتعود الحديث مع الغرباء فما بالك برجل من أعيان القوم ، لم يعلم عزيز أن القدر يخبأ له مفاجأة لم يكن يتصورها حتى في أحلامه
توجه السيد بالكلام الى الأم: لقد حدثني إبنك الأكبر كثيرا عن عزيز و قال أنه يحب المدرسة و أنه متفوق في دراسته و أنا يا سيدتي مررت بنفس تجربتكم تقريبا لهذا بعد إذنك اود أن أصطحب عزيز معي لكي يتمكن من إتمام دراسته و تحقيق أحلامه و منزلي غير بعيد من هنا و سوف اعامله كإبني و زوجتي سوف تصر به و أنا متأكد انه سيكون خير أنيس لأسماء و سيساعدان بعضهم البعض خصوصا أنهما في نفس العمر تقريبا و في عطلة نهاية الأسبوع سأجلبه معي لكي يمضي معكم السبت و الأحد فما رأيك يا سيدتي؟؟
كلمات نزلت على الجميع كالصاعقة لم يصدق عزيز أذنيه تسمر في مكانه،فاختلطت عليه المشاعر واكتنفته فرحة عارمة إصفر وجهه و غامت عيناه و كادت ساقاه تخذلانه أما الأم،فقد قفزت دموع الفرحة من عينيها و بكى الجميع سرورا،فسبحان الله و سبحان مبدل الأحوال.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.